العربی   اردو   English   فارسی درباره ما     تماس با ما     اعضای موسسه
شنبه 9 ارديبهشت 1396
تلگرام  اینستاگرام  آپارات  گوگل پلاس دین پژوهان  ایمیل دین پژوهان
کد : 13040      تاریخ : 1393/8/18 12:42:10      بخش : دراسة الدين الأخبار print

 

خلاصة :

 

من الآثار الواضحة لنهضة الإمام الحسين عليه السلام في مسيرة التاريخ ، تلكم الثورات العلوية المتعاقبة التي بدأت من أواخر الحكم الأموي واستمرّت خلالٍ الحكم العبّاسي ، وتُعدّ هذه الثورات صديً طبيعياً لنهضة كربلاء المقدسة الدامية ، وقد استمر العلَويّون في ثوراتهم وانتفاضاتهم ، مصرّين على أصل أنّ الإمامة والخلافة حقُّ أئمّتهم الطبيعي المغتصَب. وأوّل ثائر علَوي تحرّك بعد واقعة كربلاء : زيد ابن عليّ حفيد الإمام الحسين عليه السلام ، فقد قاد زيد ثورته سنة 122 هجريّة واستشهد ، ثمّ أعقبه في الثورة ابنُه يحيى الذي ثار في خراسان سنة 126 ه‍ واستُشهد فيها ، ثمّ صادر العبّاسيون هذه الثورة في مؤامرة كبيرة وسيطروا على مقاليد الحكم ، ثمّ إنّ العلويّين استمرّوا في ثوراتهم ، فكانت مواجهتهم هذه المرّة مع السلطة العبّاسية.

نص المقال :

 

من الآثار الواضحة لنهضة الإمام الحسين عليه السلام في مسيرة التاريخ ، تلكم الثورات العلوية المتعاقبة التي بدأت من أواخر الحكم الأموي واستمرّت خلالٍ الحكم العبّاسي ، وتُعدّ هذه الثورات صديً طبيعياً لنهضة كربلاء المقدسة الدامية ، وقد استمر العلَويّون في ثوراتهم وانتفاضاتهم ، مصرّين على أصل أنّ الإمامة والخلافة حقُّ أئمّتهم الطبيعي المغتصَب.

وأوّل ثائر علَوي تحرّك بعد واقعة كربلاء : زيد ابن عليّ حفيد الإمام الحسين عليه السلام ، فقد قاد زيد ثورته سنة 122 هجريّة واستشهد ، ثمّ أعقبه في الثورة ابنُه يحيى الذي ثار في خراسان سنة 126 ه‍ واستُشهد فيها ، ثمّ صادر العبّاسيون هذه الثورة في مؤامرة كبيرة وسيطروا على مقاليد الحكم ، ثمّ إنّ العلويّين استمرّوا في ثوراتهم ، فكانت مواجهتهم هذه المرّة مع السلطة العبّاسية.

ومطالعة تاريخ علماء القرن الخامس الهجري تُظهر بوضوح أنّ علماء الحنفيّة والمعتزلة والزيدية قد اتّصلوا ببعضهم وتقاربوا فيما بينهم ، أمّا السبب الذي يقف وراء تقارب الزيديّة والحنفيّة والمعتزلة ، فكامنٌ في التغييرات الفكريّة والثورية التي حدثت في أواسط القرن الهجري الثاني ، حيث اندلعت ثورتان للزيديّة في المدينة والبصرة خلال سنتَي 145 و 146 ه‍ ، قاد إحداهما محمّد بن عبد الله المعروف بالنفس الزكيّة وقاد الأُخرى أخوه إبراهيم.

وقد أفتى كثير من فقهاء العراق ـ بما فيهم أبو حنيفة ـ بوجوب خروج الناس مع إبراهيم ومتابعته ، وكان منهم مَن اشترك مع إبراهيم وقُتل ، كما أبدي بعض قادة المعتزلة تأييدهم لثورة إبراهيم ، وأدى هذا التقارب بالتدريج إلى رواج الفقه الحنفي والكلام المعتزلي في أوساط الزيديّة ، وقد دام هذا الأمر ـ الذي يحتاج إلى بحث تاريخي أعمق ـ إلى القرن الهجري السابع.

ومن أوضح النماذج على هذا التقارب ، أنّ الموفّق ابن أحمد الخوارزمي الحنفي ( ت 586 ه‍ ) كان حنفيّاً ومعتزليّاً وزيديّاً في الوقت نفسه ، وقد ألّف الخوارزمي ـ الذي عُرف بخطيب خوارزم ـ كتاباً في النصف الأول من القرن السادس الهجري سمّاه « مقتل الحسين » و كتاب « مناقب علي بن أبي طالب عليه السلام ».

 

حدود التشيّع والتسنّن في القرن الثالث فصاعداً :

ينبغي القول ـ بلحاظ التاريخ ـ أنّ طائفة من العلماء المسلمين قد ظهرت في البلاد الإسلاميّة وفي العراق خاصّة ، سَعَت جاهدةً إلى نشر أحاديث فضائل الإمام عليّ عليه السلام وسائر أهل البيت عليهم السلام ، في مقابل شيوع المذهب العثماني في القرون الإسلاميّة الأُولى ، الذي كان أفراده لا يعترفون بشرعيّة خلافة أمير المؤمنين عليّ عليه السلام ، وهؤلاء العلماء قد نُبِزوا في كتب أهل العامة بأوصاف من قبيل « فيه تشيُّع » ، بسبب نقلهم روايات فضائل أهل البيت عليهم السلام ، على الرغم من قيام كثير من علماء أهل العامة ومحدّثيهم البارزين ـ من أمثال البخاري ومسلم ـ بنقل كثير من الأحاديث في فضائل أهل البيت عليهم السلام.

وقد هاجم ابن قُتَيبة ـ وهو من علماء أواسط القرن الثالث الهجري ـ في كتابه الصغير « الاختلاف في اللفظ » أهلَ الحديث في عصره ( أي : أتباع المذهب العثماني ) ، الذين أصروا على إنكار أحاديث فضائل أمير المؤمنين عليّ عليه السلام.

ونظرةٌ سريعة إلى كتاب « ميزان الإعتدال » لمؤلّفه شمس الدين الذهبي ، كافيةٌ لإظهار أن مئات من المحدّثين الأعلام قد اتُّهِموا بالتشيُّع بسبب نقلهم فضائل أهل البيت عليهم السلام !

ويُعدّ أحمد بن حنبل نقطة انعطاف في مسيرة إفراط أهل الحديث ، حيث خطا خطواتٍ كبيرةً في مسيرة الإقرار بفضائل الإمام عليّ عليه السلام وتثبيت موقعه لدى أهل العامة بعنوان الخليفة الرابع فروى في كتابه « المسند » روايات جمّة في فضائل أهل البيت عليهم السلام ، منها الروايات التي رأينا صحيحَي البخاري ومسلم وسواهما من صحاح السنّة وسُننهم تُعرض عن ذكرها ، وهذا ممّا يُؤسف له حقّاً.

ولم يكتِف أحمد برواية فضائل أهل البيت عليهم السلام في كتابه المسند ، بل أضاف إليها عدداً آخر رواه في كتابه « فضائل الصحابة » ، ومن تلك الروايات حديث الغدير الذي رواه بطرق متعدّدة ، وبذلك ساهم أحمد في تعديل مذهب العثمانيّة.

وخفّ غلواء حنابلة بغداد بعد أحمد بن حنبل وخفّت شدّة تعصّبهم ، فعاشوا في بغداد في سلام مع الشيعة في ظلّ جوّ شيعي ساعد على تكوينه وصول دولة « آل بُوَيه » إلى سدّة الحكم ، وعلى الرغم من التعصّب الشديد الذي أبداه الحنابلة خلال مدّة مائة وخمسين عاماً ، حيث كانوا يصطدمون بالشيعة خلال مراسم العزاء في عاشوراء ، لكنّ نشر فضائل أمير المؤمنين عليه السلام ـ الذي بدأه أحمد بن حنبل ـ خفّف إلى حدٍّ ما من تعصّبهم ، وقد قابل الحنابلةُ في أواخر القرن الثالث المؤرّخ محمّد بن جرير الطبري مقابلةً عنيفة ، بسبب جمعه طرق حديث الغدير ، لكنّهم أخذوا يبتعدون عن التعصّب تدريجاً ، فحلّ بينهم وبين الشيعة نوع من المسالمة خلال القرن الهجري الخامس.

وعلى أيّة حال .. فقد تسارع في القرن السادس ـ مع خفّة حدّة النزاعات ـ تأليف الكتب في أهل البيت عليهم السلام فظهر للعيان أكثر من ذي قبل آثارُ التعديل في مذهب أهل العامة تجاه أئمّة أهل البيت عليهم السلام ، وإنّ مجيء سِبط ابن الجَوزي ـ وهو حفيد عبد الرحمان بن الجوزي الحنبلي المتعصّب ـ دلالة على حدوث التعديل لدى حنابلة بغداد ، إذ أنّ كتاب « تذكرة خواصّ الأمّة » الذي ألّفه سبط ابن الجوزي أفضل شاهد على حدوث التعادل في التسنّن المتطرّف ، كما أنّ هناك عالماً آخر ظهر كان ينتمي إلى القرن السادس الهجري ، هو أبو الفضل يحيى بن سلامة الحَصكفي ( ت 551 أو 553 ه‍ ) ، حيث نقل ابن طولون عنه قصيدته في مدح الأئمة الاثنى عشر ، والتي قال فيها :

حيدرةٌ والحسنانِ بَعدَه * ثُمَّ عليٌّ وابنُه محمّدُ

وجعفرُ الصادقُ وابنُ جعفرٍ * موسى ، ويَتلوه عليُّ السيّدُ

أعني الرِّضا ، ثمّ ابنه محمّدٌ * ثمّ عليٌّ وابنُه المُسَدّدُ

الحسنُ التالي ويتلو تِلوَهُ * محمّدُ بنُ الحسنِ المعتَقدُ

وللحصكفي أبيات أُخرى في رثاء سيّد الشهداء الحسين عليه السلام يقول فيها :

ومصرعُ الطفِّ فلا أذكرُهُ * ففي الحَشا منه لهيبٌ يَقِدُ

يَرى الفراتَ ابنُ الرسولِ ظامياً * يَلقى الرَّدى ، وابنُ الدعيّ بَرِدُ !

يا أهلَ البيت المصطفى يا عُدّتي * ومَن على حُبِّهِمُ أعتمدُ

والشافعيُّ مَذهَبي مذهبُهُ * لأنّه في قولِه مُؤيِّدُ
ولم ينحصر التقارب مع الشيعة في فئة خاصّة من أهل العامة دون سواها ، فقد انبرى من بين الشافعيين محمّد بن طلحة الشافعي ( ت 652 هـ ) فألّف كتاب « مطالب السَّؤول في مناقب آل الرسول » ، تطرّق فيه إلى مناقب أهل البيت عليهم السلام مفصّلا ، ثمّ ألّف محمّد بن يوسف الشافعي كتاب « كفاية الطالب في مناقب عليّ بن أبي طالب » في فضائل أمير المؤمنين وأهل البيت عليهم السلام.

وألّف أبو محمّد عبد الرزاق بن عبد الله بن أبي بكر عزّ الدين الإربليّ ـ وهو من الحنابلة ـ كتاباً في فضائل أمير المؤمنين عليه السلام بأمرٍ من بدر الدين لؤلؤ حاكم الموصل ذي المذهب الإمامي ، وقد نقل أبو الحسن عليّ بن عيسى الإربليّ مؤلف « كشف الغمّة » في كتابه نصوصاً كثيرة من هذا الكتاب في مواضع عديدة.

وألّف أبو محمّد عبد العزيز بن محمّد بن مبارك الحنبلي الجُنابذي ( ت 611 هـ ) كتاب « معالم العترة النبويّة ومعارف أهل البيت الفاطميّة العلويّة » في حياة الأئمّة إلى الإمام الحادي عشر عليه السلام.

وتطرّق ابن خلِّكان الشافعي في « وَفيات الأعيان » إلى حياة أئمة أهل البيت عليهم السلام ، حيث إنّ نفس الاتجاه إلى ذِكر أئمة الشيعة دليل على حضور الأئمّة في الذهنيّة السائدة خلال القرن السادس. وألّف حمد الله المستوفي ( ت بعد سنة 750 هـ ) في القرن الهجري الثامن « تاريخ كزيده » ، تطرّق فيه إلى ذكر الحكّام الأوائل ، ثمّ عرّج على ذكر الإمام عليّ عليه السلام ، ثمّ الإمام المجتبى عليه السلام بعنوان « أمير المؤمنين حافدِ رسول ربّ العالمين الإمام الحسن بن عليّ المرتضى » ، ثمّ أنشأ فصلاً تحت عنوان « في ذكر جميع الأئمّة المعصومين ( رضوان الله عليهم أجمعين ) ، الذين كانوا حجّة الحقّ على الخلق ، ومدّة إمامتهم من 4 صفر سنة تسع وأربعين إلى شهر رمضان سنة أربع وستين ومائتين ، تعادل 215 سنة و 7 أشهر » ، وأضاف : « والأئمّة المعصومون لم يُستخلفوا ، ولكن لاستحقاقهم الخلافة فإننا نتبرّك بذكر أحوالهم على سبيل الإيجاز ».

ثمّ ألف ابن الصبّاغ المالكي ( 784 ـ 855 هـ ) كتاب « الفصول المهمّة في معرفة أحوال الأئمّة » ، وتبعه في القرن العاشر شمس الدين محمّد بن طولون ( ت 953 هـ ) ، فألّف كتاب « الشذرات الذهبية في تراجم الأئمّة الاثنى عشرية عند الإماميّة » ، وابن طولون أحد العلماء المهتمّين بالتصوّف والعرفان ، وله شعر أنشده في وصف الأئمّة الاثنى عشر بعد أن تطرّق إلى ذِكر حياتهم نقلاً عن المصادر المعتبرة ، يقول فيه :

عليكَ بالائمّة الإثنَى عَشَر * مِن آل بيتِ المصطفى خيرِ البَشَر

أبو تُرابٍ ، حَسَنٌ ، حُسينُ * وبُغضُ زَينِ العابدينَ شَينُ

محمّدُ الباقرُ كَم عِلمٍ دَرى * والصَّادقُ ادعُ جَعفراً بين الورى

موسى هو الكاظِمُ وابنُهُ عليّ * لَقِّبهُ بالرضا وقَدرُهُ عليّ

محمّدُ النقيُّ قَلبُه مَعمورُ * عليٌّ التَّقي دُّرُّه مَنثورُ

والعسكريُّ الحَسَنُ المُطهَّرُ * محمّدُ المهديُّ سَوفَ يَظهرُ

وينبغي أن نُضيف إلى قائمة الكتب المؤلّفة السابقة ، كتاب « الإتحاف بحُبّ الأشراف » للشَّبراوي الشافعي ( ت 1172 هـ ) ، و « نور الأبصار في مناقب آل النبيّ المختار » للشبلنجي الشافعي ، و « ينابيع المودّة لذوي القربى » للقندوزي الحنفي ( ت 1294 هـ ).

ومن الآثار الباقية من القرن الهجري العاشر ، كتابٌ باسم « كُنه الأخبار » ، فيه ذِكر الأئمّة الاثنى عشر ، كما ألّف درويش محمّد الكربلائي في النصف الأوّل من القرن العاشر الهجري كتاباً أسماه « روضات الجِنان وجنّات الجَنان » ، تطرّق فيه بالتفصيل ـ مع كَونه على عقائد أهل كتاب « فصل الخطاب » للخواجة محمّد بارسا ، وألّف محمد عليم بن محمد موسى إلاه آبادي كتاب « غاية الهمّة في ذِكر الصحابة والأئمّة » في حياة الرسول الأكرم صلّى الله عليه وآله والحكّام الأوائل وأئمّة الشيعة عليهم السلام.

ويُلفت ذهنَنا كتاب « وسيلة الخادم إلى المخدوم » في شرح الصلوات على المعصومين الأربعة عشر لفضل الله بن روزبهان الخنجي ( ت 927 هـ ) ، وهو أحد العلماء الإيرانيين المشهورين آنذاك ، تطرّق فيه إلى حياة المعصومين الأربعة عشر ، وخصّص جزءاً من كتابه في حياة الإمام الحسين عليه السلام وذِكر وقائع كربلاء.

 

إقامة أهل العامة مراسم العزاء ( نقلاً عن عبد الجليل الرازي في القرن الهجري السادس ) :

بعد موضوع فضائل أميرالمؤمنين عليه السلام الذي تناقلته الروايات الجمّة المتكاثرة ، والتي يضطرّ كلّ محدّث إلى الإذعان بفضائله عليه السلام ، يأتي موضوع واقعة كربلاء التي أمكنها أن تقوم بدور مهمّ في تقريب أهل العامة إلى التشيّع ، وقد ألّف في عصرنا هذا كاتب من شمال أفريقية إسمه إدريس الحسيني كتاباً بعنوان « لقد شيّعني الحسين » ، بيّن فيه أنّ لواقعة كربلاء التأثيرَ الكبير ، باعتبارها حدثاً تاريخيّاً مهمّاً جسّد مظلوميّة أهل البيت عليهم السلام وظُلم أعدائهم.

وقد دخلت ظاهرة إقامة مراسم العزاء التي كان الشيعة يلتزمون بها تبعاً لأوامر أئمتهم عليهم السلام إلى المجتمعات السنيّة تدريجاً ، فقد كان حبّ السادة ( الشرفاء ) من نسل النبيّ صلّى الله عليه وآله أصلاً إسلامياً سار عليه أهل العامة ، فلمّا تبيّن لهم تفاصيل شهادة الإمام الحسين عليه السلام على يد يزيد وبتلك الصورة الفجيعة ، أثار ذلك ـ بطبيعة الحال ـ عواطفهم تجاه الإمام الحسين عليه السلام بصورة خاصّة وتجاه أهل البيت عليهم السلام بصورة عامة.

وكان ذلك بداية رسوخ وتعمّق محبّة أهل البيت عليهم السلام في أوساط أهل العامة ، وبداية رغبتهم في إقامة مراسم العزاء ، حتّى إذا حلّ القرن الهجري السادس ، كانت تلك البدايات قد تحوّلت إلى تيّار طبيعي في المجتمع السنّي.

وتُشير الآثار الفارسيّة المؤلّفة خلال الفترة الواقعة بين القرنين السابع والعاشر للهجرة إلى هذه النزعة ، حيث تناقل أكثر مؤلّفي السنّة في كتبهم ( المؤلّفة في تاريخ الإسلام ) واقعة كربلاء نقلاً عن كتاب الفتوح لابن أعثم الكوفي ، وعلّقوا عليها تعليقات تُبيّن تعاطفهم الكامل إلى صفّ الإمام الحسين عليه السلام.

وقد نقل عبد الجليل الرازي القزويني في كتابه « النقض » الذي ألّفه في حدود سنة 560 هـ ، معلوماتٍ تاريخية قيّمة عن تاريخ إقامة أهل العامة مراسم العزاء على الإمام الحسين عليه السلام ، فقد كتب في ردّه على كاتب سنّي انتقد الشيعة بأنهم « يُظهرون الجزعَ يوم عاشوراء ، ويقيمون العزاء ، ويُجدّدون مصائب شهداء كربلاء على المنابر ، فيخلع علماؤهم عمائمهم ، ويشقّ العوامُّ جُيوبَهم ، وتَخمِش نساؤهم وجوههنّ وينتحبن بالبكاء » ، كتب يقول ( ما تعريبه ) :

« أوّلاً : من الجليّ البيّن أنّ أئمّة الفريقين من أصحاب أبي حنيفة والشافعي وعلماء وفقهاء الطوائف قد رَعَوا هذه السنّة خَلَفاً عن سَلَف وحافظوا عليها ، فالشافعي الذي هو مؤسّس المذهب المنسوب إليه قد أنشد ـ فضلاً عن المناقب التي نقلها ـ أشعاراً في رثاء الحسين عليه السلام وشهداء كربلاء ، يقول في إحداها :

أبكي الحسينَ وأرثي منه جَحجاحا * مِن أهل بيت رسول اللهِ مِصباحا

إلى آخر قصيدته العصماء.
ويقول في قصيدة ثانية :

تأوّب هَمّي فالفؤادُ كئيبُ * وأرّقَ نومي فالرُّقادُ عجيبُ

وممّا نفي نَومي وشيّب لُمّتي * تصاريفُ أيّامٍ لَهُنَّ خُطوبُ

فمَن مُبلِغٌ عَنّي الحسينَ رسالةً * وإن كَرِهَتها أنفُسٌ وقُلوبُ

قتيلاً بلا جُرمٍ كأنّ قميصَهُ * صَبيغٌ بماء الأُرجوان خَضيبُ

تَزَلزلتِ الدنيا لآل محمّد * وكادت لهم صُمُّ الجبالِ تذوبُ

وغارت نُجومٌ واقشعرّت كواكبٌ * وهُتِّك أستارٌ وشُقَّ جُيوبُ

ومراثي شهداء كربلاء التي أنشدها أتباع أبي حنيفة والشافعي لا يمكن حصرها ، فإن كان في ذلك قَدح ، فهو أوّلاً قدح في أبي حنيفة والشافعي ثمّ فينا ».

ثمّ يذكر عبد الجليل نماذج من إقامة أهل العامة مراسم العزاء ـ بما فيهم الحنفيّة والشافعيّة ـ خلال القرن السادس الهجري ، حتّى يقول :

« وإذا تقدّمتَ في الزمن ، إتضّح لك جليّاً أنّ الخواجة أبا منصور ماشاده ( من علماء المذهب الشافعي البارزين في أصفهان وكان على مذهب أهل العامة ) كان يقيم العزاء يوم عاشوراء من كلّ سنة ، فيُديم فيه البكاء والنياح ، وكلّ من جاء إلى أصفهان عَلِم بذلك وشاهده عياناً.

كما كان الخواجة علي الغزنوي الحنفي ( من كبار وعّاظ بغداد ، وكان السلطان مسعود السلجوقي يحضر في مجلسه ) يُقيم هذا العزاء في بغداد مدينة السّلام ومقرّ دار الخلافة ، حتّى أنّه بالَغَ يوم عاشوراء في لعن آل أبي سفيان ، فنهض رجل وسأله : ما تقول في معاوية ؟ فصاح بصوتٍ رفيع : أيّها المسلمون ، إنّ هذا يسأل عليّاً ( وعليّ هو اسم الواعظ ) ، ويقول : ما تقول في معاوية ؟ أفلا تعلم ماذا يقول عليٌّ في معاوية ؟!

وسئل أميرُ عبّادي قطبَ الدين مظفّر ( أحد وعّاظ بغداد المعروفين ) ، وكان أميراً في الكلام والخطابة ، وكان في مجلس المقتفي لأمر الله في اليوم التاسع من المحرّم : ما تقول في معاوية ؟ فلم يُجِب ، حتّى كرّر السائل سؤاله ثلاث مرّات ، ثمّ قال : أيّها الرجل ، سألتَ سؤالاً مُبهماً ، ولستُ أعلم أيّ معاوية تقصد ، أمعاوية الذي كسر أبوه ثنايا المصطفى ، ولفظت أمّه كبد حمزة ، وسلّ سيفه في وجه عليّ بضعاً وعشرين مرّة ، وحزّ ابنُه رأسَ الحسين ؟! فيا أيّها المسلمون ، ما تقولون في معاوية هذا ؟ فارتفعت أصوات الناس بلعن معاوية في حضور الخليفة ، وكان منهم الحنفي والشافعي وأتباع المذاهب السنّيّة الأخرى.

وكانت مراسم العزاء على الحسين عليه السلام تقام في بغداد كلّ سنة ، وأمّا في همدان التي غلب على أهلها رأي المشبِّهة ، فكان مجد الدين مذكر الهمداني ( ت 555 هـ ) يُقيم العزاء في موسم عاشوراء في كيفيّة عجب منها القمّيّون الشيعة أنفسهم.

وكان الخواجة الإمام نجم أبو المعالي بن أبي القاسم البُزاري في نيسابور ـ وهو من علماء المذهب الحنفي ـ يواظب على إقامة هذا العزاء ، وكان يمسك في يده منديلاً ، فينوح وينثر التراب على رأسه ويئنّ أنيناً عالياً.

وكان الشيخ أبو الفتح النصر آبادي والخواجة محمود الحدادي الحنفي وسواهما يقيمون مراسم العزاء يوم عاشوراء في مدينة الريّ ، وهي من أمّهات المدن الإسلاميّة ، في مركز توقّف القوافل في كوشك وفي المساجد الكبيرة ، فيقضون يوم عاشوراء في ذكر التعزية ولعن الظالمين.

كما كان الخواجة الإمام شرف الأئمة أبو نصر الهسنجاني يقيم العزاء في كلّ يوم عاشوراء في حضور الأمراء وعلماء الحنفيّة ، وكانوا يقرّون ذلك منه ويشتركون معه فيه.

أمّا الخواجة الإمام أبو منصور حفيده ( محمد بن أسعد الطوسي الملقّب بعمدة الدين الفقيه الشافعي النيسابوري ) الذي كان مقدّماً لدى أصحاب الشافعي ، فكان إذا حضر في مدينة الريّ ، أقام مراسم العزاء يوم عاشوراء في جامع سرهنك على هذا النحو الذي وصفناه ، وكان يفضّل الحسين عليه السلام على عثمان ، ويلقّب معاوية بالمارق.

وناهيك عن القاضي الكبير الحنفي في ساوة ، الذي كان يذكر قصّة عاشوراء في حضور ما يقرب من 20 ألف شخص ، فكانوا يشقّون الجيوب ويُلقون عمائمهم من على رؤوسهم بما لم يسبق له مثيل.

وإليك ما كان يفعله الخواجة تاج الأشعري الحنفي النيسابوري يوم عاشوراء بعد إقامة الصلاة في الجامع العتيق في سنة 555 هجرية بإجازة من القاضي ، وفي حضور الأمراء والأعلام.

فلو كان هذا بدعة كما يقول هذا المجبِّر المتحول ـ يعني الكاتب السنّي ـ ، لما أفتى القاضي به ولمّا أقرّه هؤلاء الأئمّة والأعلام.

وإذا كان هذا الكاتب لم يحضر مجلس الحنفيّة ولا مجلس الشيعة ، فإنّه لابدّ أن يكون حضر مجلس شهاب المشّاط الذي كان يُقيم مجلس العزاء كلّ سنة مع حلول شهر المحرّم ، ويذكر في يوم عاشوراء مقتل الحسين بن عليّ عليه السلام ، حتّى أنّه أقام مجلس العزاء قبل سنتَين بحضور الأميرة « أجل » وزوجات الأمراء الآخرين ، فذكر تفاصيل المقتل ، فما كان من الحاضرين إلّا أن شقُّوا ثيابهم ونثروا التراب على رؤوسهم وألقى الرجال بعمائمهم وناحوا وضجّوا بالبكاء والعويل.

ولو فُرض أن هؤلاء العلماء والقضاة كانوا يقيمون مراسم العزاء ويشتركون فيها تقيّةً منهم ومداهنة السلطان ، فإنّهم سيكونون عندئذٍ قد وافقوا الشيعة ( في العمل بالتقيّة ) ، وإذا فعلوا ذلك عن اعتقاد فهو دليل على كذب ادّعاء الكاتب وعلى نقصان إيمانه. ونحن نعلم أنّ الخوارج والمشبّهة لا يقرّون إقامة العزاء على سيّد الشهداء عليه السلام ، أمّا أتباع المذهبَين الحنفي والشافعي مع الشيعة فيتّبعون هذه السنّة ، فإقامة العزاء على الحسين ابن عليّ عليه السلام هو اتّباع لقول المصطفى صلّى الله عليه وآله : « مَن بكى على الحسين أو أبكى أو تباكى ، وَجَبَت له الجنّة » ، من أجل أن يكون المتكلّم والسامع في ظلّ رحمة الله ، ولا يُنكر ذلك إلّا منافق ومُبتدع وضالّ وخارجي ومُبغض لفاطمة وعليّ وآلهما ، والحمدلله بل أكثرهم لا يعقلون ». ( كتاب النقض ، لعبد الجليل التبريزي : 370 ـ 373 ). وعلى أيّة حال .. فقد كان أكثر علماء أهل السنّة في بغداد خلال القرن الهجري السادس يتحدّثون عن مظلوميّة الإمام الحسين عليه السلام ، ولا يكترثون برواسب النزاعات العصبية التي خلّفها زمن بني أُميّة ، إلّا في موارد نادرة بطبيعة الحال ، فقد كتب شخص يُدعى عبد المغيث بن زهير الحنبلي كتاباً في فضائل يزيد ، فردّ عليه ابن الجوزي العالم السنّي المشهور في كتابه الذي سمّاه « الردّ على المتعصّب العنيد المانع من ذمّ يزيد » ، وقد ذكر ابن الأثير في كتابه « الكامل » هذا الشخص بقوله : « صنّف كتاباً في فضائل يزيد بن معاوية أتى فيه بالعجائب » ، أما الذهبي فقد ذكره في ( سير أعلام النبلاء : 21 / 160 ) وقال فيه ـ ويا للعجب ـ : « وكان ثقةً سنّيّاً » ، بَيد أنّ هذه النزعات كانت أشبه بالزَّبَد الذي يَذهب ، جُفاءً ولا يمكث في الأرض ، فلا تستحقّ أن نوليها اهتماماً.

ومن الوعّاظ الذين كانت لهم مجالسهم في مراسم العزاء : عليّ بن حسين الغَزنوي الحنفي ، وكان واعظاً مفوّهاً ، وكان السلاطين يحضرون في مجلسه ، ومنهم : الأمير عبادي ، وكان يقرأ المقتل يوم عاشوراء ، ومنهم : ابن الجوزي المذكور ، الذي نُقل عنه بعض خُطبه وكلماته التي قالها على منبر خطابته.

ويبدو أنّ مراسم العزاء يوم عاشوراء كانت تُقام في بغداد من قِبل الشيعة وأهل العامة ، ولم يَحدُث أن أُلغيت في فترة من فترات التاريخ.

 

خراسان في العصر التيموري وإقامة العزاء على الإمام الحسين عليه السلام :

ساهمت خراسان ـ باعتبارها مركزاً للشيعة والسنّة ـ في إقامة مراسم العزاء على سيّد الشهداء الإمام الحسين عليه السلام ، حيث بدأت إقامة هذه المراسم قبل عصر الدولة الصفويّة بقرنَين تقريباً ، وجسّد ذلك استمرار السُّنة التي جَرت في مناطق إيران المختلفة منذ القرن السادس الهجري.

وتدلّ إقامة مراسم العزاء في مدينة هَرات على أنّ هذه السُنّة قد تخطّت دائرة الشيعة لتشمل أهل العامة أيضاً ، حيث راج في هذه المناطق كتاب يدعى « نور الأئمة » ، يمثّل ترجمة لكتاب « مقتل الحسين » للموفّق بن أحمد الخوارزمي الحنَفي ( 484 ـ 568 ه‍ ) ، وكان هناك كتب أخرى في هذا المجال أيضاً.

وقبل مجيء الدولة صفوية بثمان سنين ، شاع في هذه المنطقة كتاب في مقتل الحسين عليه السلام لم يكن مؤلّفة يعترف بوجود حدّ فاصل بين التشيع والتسنّن ، فاتُّهم لذلك في هرات بالتشيُّع واتّهم في سبزوار بالتسنّن ، وهذا الشخص هو المولى حسين الكاشفي مؤلّف كتاب « روضة الشهداء » ، وقد اكتسب الكاشفي صيتاً واسعاً في مدينة هرات ، وكان كبار رجال البلاط ـ الذي تصدّره السلطان حسين بايقرا لسنوات عديدة ـ يحضرون في مجلسه.

وقد أشار المولى حسين الكاشفي في كتابه إلى تجدّد الأحزان في قلوب المسلمين ومحبّي سيّد الأنام صلّى الله عليه وآله مع إطلاله هلال المحرّم كلّ سنة ، وأنّ نداءً من الغيب يطرق أسماعهم ، فيقول ( ما تعريبه ) : « فَلْتنُوحوا ـ يا أعزّة ـ في مصيبة سِبط النبيّ ، ولتحرقوا الصدور بالآهات الحرّى ! ولتذرفوا الدمعَ غزيراً للقتيل ذي الشفة الظمأى ولتذكروا في بُكائكم ابتسامه المطمئنّة لِلقاء المعبود ».

ويبدو أن أحد أعيان مدينة هرات واسمه مرشد الدولة الملقّب بالسيّد الميرزا كان قد طلب من المولى حسين الكاشفي أن يُعدّ نصّاً يلتزم بذكره الخطباءُ في هذه المجالس ، فقام الكاشفي بتأليف كتاب روضة الشهداء ، وقد تطرّق في مقدّمته إلى ثواب البكاء على الإمام الحسين عليه السلام وذكر خبر « مَن بكى على الحسين وَجَبَت له الجنّة » ، ثمّ بيّن أنّ الكتب المؤلّفة في هذا الباب خالية ـ على فضلها وجلالها ـ من الشموليّة في نقل مناقب السبطَين وتفاصيل حياتهما ، ممّا أدّى بالسيّد الميرزا إلى الإيعاز إلى الكاشفي بتأليف كتاب جامع يشتمل على ذكرٍ مجمل لقصص الأنبياء والأصفياء والشهداء وسائر الأولياء الذين ابتلاهم الله في هذه الدنيا ، وعلى ذِكر أصحاب الكساء على سبيل التفصيل. وقد شاع كتاب روضة الشهداء ، ليس فقط بين الشيعة في إيران ولا في فترة حكم الدولة الصفويّة فحسب ، بل تعدّى ذلك إلى أهل العامة في أطراف إيران. وتمثّل خطوة الشاعر السنّي العراقي الكردي عبد الله زيور ( ت 1369 ه‍ ) في ترجمة هذا الكتاب إلى الفارسية وإعادة صياغته في لغة شعريّة أحدثَ التأثيرات التي خلّفها الكتاب المذكور في المناطق السنيّة ، وقد سمّى هذا الشاعر كتابه الشعري ب‍ « داستان سوزناك كربلاء » ، أي قصّة كربلاء المُفجعة.

ومن المناسب أن نعرّج في هذا المجال على ذكر موقف عبد الرحمان الجامي ( 817 ـ 898 ه‍ ) العالم والشاعر الخراساني الشهير ، وكان سنيّاً حنفيّ المذهب ، فقد تحدّث في كتابه « سلسلة الذهب » عن عقائده المذهبيّة في موضوع الخلافة فذكر أنّ السنّي عليه أن يعتقد أنّ الحقّ في هذه الاختلافات كان مع الإمام عليّ عليه السلام.

ومن الجدير بالذِّكر أنّ أهم المواجهات المذهبيّة التي كانت لعبد الرحمان الجامي مع مخالفيه المعاصرين ، وهي المواجهات التي خاضها مع الشيعة الذين كان لهم نفوذهم الكبير في خراسان ، وقد شاهدنا أنّ هذا المذهب أضحى المذهب الحاكم في هذه المنطقة بعد مجيء الصفويين إلى الحُكم.

وقد شنّ الجامي حملات كثيرة على الشيعة ، وكان يسعى إلى حفظ الفضاء السنّي في هرات القائم على أساس الموروثات السابقة ، ووافقه في هذا النهج الأمير علي شير نوايي ، بينما خالفهما في المقابل طائفة من أهل السنّة من دُعاة التقارب مع الشيعة.

وكان الجامي يسعى لحفظ الحدود ، لكنّه كان يكره في الوقت نفسه استعمال تعبيرَي « الرفض » و « الرافضة » في حقّ الذين يذمّون بعض الصحابة ، وقد ترجم الجامي إلى الفارسية شعر الشافعي الذي يقول فيه :

إن كان رفضاً حُبُّ آلِ محمّد * فَليشهد الثَّقلانِ أنّي رافضي

وواجه الجامي نقمة من قبل بعض أفراد الطائفتين ، فذهب إلى بغداد فطعن عليه شيعة بغداد بسبب أشعاره في الروافض ، لكنّه حين أنشد أشعاره في مدح أمير المؤمنين عليّ عليه السلام طعن عليه أهل السنّة في خراسان ، وحسب تعبيره في كتاب سلسلة الذهب : « حين امتدحت في نظم سلسلة الذهب أمير المؤمنين وأولاده الميامين ، خِفتُ أهلَ السنّة الخراسانيين أن يتّهموني بالرفض ، مع أنني أعلم أنني سأُقابل في بغداد بجفاء الروافض ».

وقد سافر الجامي إلى العراق ، فبادر إلى زيارة العتبات المقدّسة ، وأنشد في وصف زيارة الإمام الحسين عليه السلام ( ما تعريبه ) :

« لو مشيتُ على أهدابي في طريقي إلى مشهد الحسين ، فهذا السَّفَر فرضٌ عينيّ في مذهب العاشقين ، ولو وطئ خدّامُ مرقده رأسي بأرجُلهم ، لَسَما رأسي حقّاً على الفَرقدَين.

هذا الذي تطوف الكعبةُ حول روضته ، فيا رَكبَ الحجيج أين تروحون ؟ أين أين ؟

فاستجد عطاءه أيّها الجامي ، واحظَ براحة الوصال بعد عذاب الفراق والبَين ، وكَفكِفْ دموعَك ، فليس قضاء حاجة سائلٍ في مذهب الكريم إلّا أداء دَين ! ».

ثمّ عرّج الجامي في سفره هذا ـ الذي كان في أساسه سفراً لأداء فريضة الحجّ ـ على زيارة مرقد أمير المؤمنين عليّ عليه السلام ، فأنشد شعراً رائعاً مطلعه ( ما تعريبه ) :

« أصبحتُ زائراً لكِ يا قُبّةَ النجفِ ، من أجل لُقياكِ وضعتُ روحي على كفّي ، فأنتِ قِبلة الدعاء ومقصد أهل الحاجات ، يُسارعون نحوكِ في شوقٍ وفي كَلَفِ ».

 

الآثار التي ألّفها علماء المذهب الحنفي في الإمام الحسين عليه السلام :

ألّف علماء أهل العامة خلال القرون الأربعة عشر المنصرمة مؤلّفات كثيرة في أهل البيت عليهم السلام ، حيث تحدّثوا حول مناقب أمير المؤمنين عليه السلام على نحوٍ خاص وحياة أهل البيت عليه السلام على نحوٍ عام ، ونقتصر في هذه العُجالة على ذكر المؤلّفات التي أُلّفت في الإمام الحسين عليه السلام.

أوّلاً : ألّف ضياء الدين أبو المؤيّد الموفّق بن أحمد بن محمّد المكّي الخطيب الخوارزمي الحنفي ( 484 ـ 568 ه‍ ) كتاباً عظيماً سمّاه « مقتل الحسين عليه السلام ». والخوارزمي تلميذ الزمخشري ، إذ درس عليه علوم الأدب ، وسافر إلى مختلف أرجاء البلاد الإسلاميّة وسمع الحديث ، وقد أورد عماد الكاتب ـ وهو من معاصريه ـ حياته في « خريدة القصر » في القسم الخاصّ ببلاد إيران ، وامتدح نبوغه في الفقه والأدب ، كما ترجم له القفطي في ( أنباء الرواة : 3 / 332 ) ، وذكر أنّه توفّي سنة 568 ه‍ ، كما ترجم له كثير من الأعلام من أمثال ابن النجّار وابن الدِّبَيثي.

وللزمخشري كتاب باسم « قضايا أمير المؤمنين عليه السلام » ، فُقد ولم يصل إلينا ، وله كتاب آخر باسم كتاب « ردّ الشمس على أميرالمؤمنين » في طرق حديث ردّ الشمس ، فُقد أيضاً ، وله كذلك كتاب « المناقب » في فضائل أميرالمؤمنين عليه السلام وأهل بيته ، وهو من أهم كتبه ، ويليه كتاب « مقتل الحسين » ، وقد طُبع كتابا المناقب ومقتل الحسين عليه السلام.

وللخوارزمي شعر في رثاء أهل البيت عليهم السلام يقول فيه :

لقد قتلوا عليّاً مُذ تجلّي * لأهلِ الحقّ فَحلاً في الضِّرابِ

وقد قتلوا الرضا الحسنَ المُرجّي * جوادَ العُرب بالسمِّ المُذابِ

وقد مَنعوا الحسينَ الماءَ ظلماً * وجُدِّلَ بالطِعان وبالضِّرابِ

ولولا زينبٌ قتلوا عليّاً * صغيراً قَتلَ بقٍّ أو ذبابِ !

وقد صَلبوا إمامَ الحقّ زيداً * فيا لله مِن ظُلَمٍ عُجابِ !

بناتُ محمّدٍ في الشمس عطشي * وآلُ يزيدَ في ظِلِّ القِبابِ

لآل يزيدَ من أدمٍ خيامٌ * وأصحابُ الكساء بلا ثيابِ

( مقتل الحسين للخوارزمي : 390 )

ثانياً : عفيف الدين أبو السيادة عبد الله بن إبراهيم الطائفي الحنفي ( ت 1207 ه‍ ) ، ذكرتُ ترجمته في ( عجائب الآثار : 2 / 147 ) ، وتوجد نُسخة من كتابه في مكتبة « سليم آغا » في اسطنبول. ألّف عفيف الدين كتاباً في الإمام الحسين عليه السلام ، سمّاه « إتحاف السُّعداء بمناقب سيد الشهداء ».

ثالثاً : قادر بخش بن حسن علي الحنفي الهندي الشهرامي ( 1273 ـ 1337 ه‍ ) ، وهو من علماء الهند الحنفيين ، وردت ترجمته في ( نزهة الخواطر : 8 / 370 ). ألّف كتاباً أسماه « جور الأشقياء على ريحانة سيّد الأنبياء ».

رابعاً : مولوي عبدالعزيز بن شاه وليّ الله الدِّهلوي ( 1159 ـ 1239 هـ ) ، ألّف كتاب « سرّ الشهادة » في فلسفة شهادة الإمام الحسين عليه السلام ، طُبعت نسخته العربية في مجلّة « الموسم / العدد 12 ، ص 83 ـ 91 ».

خامساً : الشيخ علي أنور بن علي أكبر بن حيدر علي العلوي الحنفي الكاكوروي ( 1269 ـ 1324 ه‍ ) ، وردت ترجمته في كتاب ( نزهة الخواطر : 8 / 328 ) ، وأُشير فيها إلى كتابه « شهادة الكَونَين في مقتل سيّدنا السِّبط الحسين ».

سادساً : محمّد معين بن محمّد أمين السِّنديّ الثنويّ الحنفي ( ت 1161 ه‍ ) ، ألّف كتاباً سمّاه « قُرّة العَين في البكاء على الحسين عليه السلام » ، أثبت فيه أنّ إقامة العزاء على الحسين عليه السلام لا يختصّ بالشيعة وحدهم ، وتحدّث فيه عن ثواب البكاء على الحسين عليه السلام.

سابعاً : محمود بن عثمان بن علي بن إلياس الحنفي الرومي ( 878 ـ 938 ه‍ ) ، ألّف كتاباً باسم « مقتل الإمام الحسين بن عليّ بن أبي طالب ( رضي الله عنها ) في كربلاء » ، ذكره إسماعيل باشا في كتاب ( هديّة العارفين : 2 / 413 ).

 

الخاتمة :

تقام مراسم العزاء على الإمام الحسين عليه السلام في عصرنا الحاضر في أغلب مناطق ايران والهند والباكستان ، من قِبل الشيعة والسنّة بصورة مشتركة أو مستقلّة ، وقد امتدت هذه السنّة التي اختصّت سابقاً بشرق ايران وبخراسان القديمة إلى مناطق سيستان.

وراجت هذه السنّة في الهند والباكستان منذ ما يقرب من 400 سنة ، وبدأت شمال الهند وجنوبها ، ثمّ أضحت تقام في عصرنا الحاضر في المدن الكبرى الهنديّة مثل حيدر آباد ، وفي المدن الباكستانية الكبرى مثل كراچي ، حيث يشترك فيها كلّ عام الشيعة وأهل السنّة على حدّ سواء ، بل امتدّت هذه الشعائر ـ ومنذ عدّة قرون ـ بين الهندوس أنفسهم ، فصار عدد كبير منهم يشترك مع المسلمين في إقامتها ، أمّا في العراق ومنطقه كردستان فقد استمرّت إقامة هذه الشعائر وأخذت بالاتساع ، نظراً للمنزلة الخاصّة التي يحتلّها الإمام الحسين عليه السلام في قلوب سكّان تلك البلاد.

وقد صرنا نشاهد ـ ومع بالغ الأسف ـ في العقود الأخيرة حركة متزامنة مع اشتداد التعصّب المذهبي في بعض مناطق العالم ، تدعو لإحياء نوع خاصّ من التسنّن الذي يُقيم حواجزَ بين طوائف المسلمين ومذاهبهم ، ويسعى جاداً في تعميق الهوّة بين المذاهب الإسلامية المختلفة ، وتُجسّد هذه الحركة ميراث العصر الذي سادت فيه نزعة أهل الحديث ( أو المذهب العُثماني ) في القرنين الثاني والثالث للهجرة ، وتلتزم هذه الحركة بالنفور عن كلّ من يختلف معها في الفكر والمنهج ولو بأدنى تفاوت ، متّهمة إيّاه بالبدعة في الدين ! ولهذا السبب هاجمت هذه الفرقة الطوائف الإسلاميّة المختلفة ووسمتهم بأنواع التهم والطعون ، مثل تهمة المُرجِئة والشيعة والمعتزلة والقَدَريّة و ... ممّا يُذكِّر بالطعون التي وردت في كثير من كتب الرجال الموروثة من تلك الفترة ، وعلى الرغم من أنّ هذا الاتّجاه قد تلاشى في ذلك الوقت واضمحلّ بجهود رجال أمثال أحمد بن حنبل في بداية الأمر ، ثمّ بهمّة العلماء المسلمين الآخرين ، إلّا أنّ هذا الاتجاه عاد من جديد بعنف وقوّة ، بحيث صار يوجّه أصابع الاتّهام حتّى إلى أبي حنيفة الإمام السنّي المشهور ، ويتّهمه بالإرجاء وسواها من التهم التي يصل بعضها إلى حدّ الكفر.

وتقف في المقابل تجربة مشرقة لعدّة قرون من التعايش والصفاء بين الفرق الإسلاميّة ، ومن أهم نقاط الإتّفاق بين هذه الفرق : مسألة النظر إلى نهضة الإمام الحسين عليه السلام ، التي هي ليست نهضة إسلاميّة تتعلّق بجميع المسلمين وحسب ، بل هي كذلك نهضة إنسانية يرتبط بها كل أبناء الجنس البشري الأحرار الثائرين في وجه الظلم والجور.

_________________________________________________________

 

مقتبس من مجلة جنّة الحسين العدد الثالث محرم الحرام 1433 ه‍.ق


منبع : مجمع جهانی شیعه شناسی
 نظرات کاربران 
نام و نام خانوادگی لطفا نظرتان رو درباره این مطلب وارد نمایید*
پست الکترونیکی
لطفا عبارت بالا را وارد نمایید(سیستم نسبت به کوچک یا بزرگ بودن حساس نمی باشد)

نشاني: قم، خیابان شهید فاطمی (دورشهر) بین کوچه 21 و 23 پلاک 317
تلفن: 37732049 ـ 025 -- 37835397-025
پست الکترونيک : info@dinpajoohan.com
نقل مطلب با ذکر منبع آزاد است
کلیه حقوق مادی و معنوی این سایت متعلق به دبیرخانه دین پژوهان کشور می باشد