العربی   اردو   English   فارسی درباره ما     تماس با ما     اعضای موسسه
يكشنبه 7 خرداد 1396
تلگرام  اینستاگرام  آپارات  گوگل پلاس دین پژوهان  ایمیل دین پژوهان
کد : 13643      تاریخ : 1393/11/19 11:52:21      بخش : دراسة الدين الأخبار print

خلاصة :

 

الشيعة لغة واصطلاحاً:
الشيعة لغة هم الجماعة المتعاونون على أمر واحد في قضاياهم، يقال تشايع القوم إذا تعاونوا، وربّما يطلق على مطلق التابع، قال سبحانه: ( فَاسْتَغَاثَهُ الذِي مِنْ شِيعَتِهِ عَلَى الذِي مِنْ عَدُوِّهِ ) ( [1]) ، وقال تعالى: ( وَ إِنَّ مِنْ شِيعَتِهِ لاَِبْرَاهِيمَ * إِذْ جَاءَ رَبَّهُ بِقَلْب سَلِيم ) ( [2]) .
وأمّا اصطلاحاً فلها إطلاقات عديدة بملاكات مختلفة:
1-الشيعة: من أحب عليّاً وأولاده باعتبارهم أهل بيت النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) الّذين فرض الله سبحانه مودّتهم، قال عزوجل: ( قُلْ لاَ أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلاَّ الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبي ) ( [3]) ، والشيعة بهذا المعنى تعمّ كلّ المسلمين إلاّ النواصب، بشهادة انّهم يصلّون على نبيّهم وآله في صلواتهم وأدعيتهم ويتلون الآيات النازلة في حقّهم صباحاً ومساءً، وهذا هو الإمام الشافعي يصفهم بقوله:
يا أهل بيت رسول الله حبكم *** فرض من الله في القرآن أنزله
كفاكم من عظيم الشأن أنكم *** من لم يصلّ عليكم لا صلاة له( [4])
2-من يفضّل علياً على عثمان أو على الخلفاء عامة مع اعتقاده بأنّه رابع الخلفاء، وانّما يقدّم لاستفاضة مناقبه وفضائله عن الرسول الأعظم، والّتي دوّنها أصحاب الحديث في صحاحهم ومسانيدهم.
3-الشيعة من يشايع علياً وأولاده باعتبار انّهم خلفاء الرسول وأئمة الناس بعده، نصبهم لهذا المقام بأمر من الله سبحانه وذكر أسماءهم وخصوصياتهم، والشيعة بهذا المعنى هو المبحوث عنه في المقام، وقد اشتهر بأنّ عليّاً هو الوصي حتّى صار من ألقابه، وذكره الشعراء بهذا العنوان في قصائدهم، وهو يقول في بعض خطبه :
«لا يقاس بآل محمد من هذه الأُمّة أحد ولا يسوّى بهم من جرت نعمتهم عليه أبداً، هم أساس الدين، وعماد اليقين، إليهم يفيء الغالي، وبهم يلحق التالي، ولهم خصائص حق الولاية، وفيهم الوصية والوراثة». ( [5])
ومجمل القول: إنّ هذا اللفظ يشمل كل من قال إنّ قيادة الأُمّة لعلي بعد الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) ، وإنّه يقوم مقامه في كل ما يمت إليه سوى النبوة ونزول الوحي عليه، كل ذلك بتنصيص من الرسول.
وعلى ذلك فالمقوم للتشيّع وركنه الركين هو القول بالوصاية والقيادة بجميع شؤونها للإمام (عليه السلام) ، فالتشيّع هو الاعتقاد بذلك، وأمّا ما سوى ذلك فليس مقوماً لمفهوم التشيع ولا يدور عليه إطلاق الشيعة.

نص المقال :

 


الشيعة لغة واصطلاحاً:
الشيعة لغة هم الجماعة المتعاونون على أمر واحد في قضاياهم، يقال تشايع القوم إذا تعاونوا، وربّما يطلق على مطلق التابع، قال سبحانه: ( فَاسْتَغَاثَهُ الذِي مِنْ شِيعَتِهِ عَلَى الذِي مِنْ عَدُوِّهِ ) ( [1]) ، وقال تعالى: ( وَ إِنَّ مِنْ شِيعَتِهِ لاَِبْرَاهِيمَ * إِذْ جَاءَ رَبَّهُ بِقَلْب سَلِيم ) ( [2]) .
وأمّا اصطلاحاً فلها إطلاقات عديدة بملاكات مختلفة:
1-الشيعة: من أحب عليّاً وأولاده باعتبارهم أهل بيت النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) الّذين فرض الله سبحانه مودّتهم، قال عزوجل: ( قُلْ لاَ أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلاَّ الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبي ) ( [3]) ، والشيعة بهذا المعنى تعمّ كلّ المسلمين إلاّ النواصب، بشهادة انّهم يصلّون على نبيّهم وآله في صلواتهم وأدعيتهم ويتلون الآيات النازلة في حقّهم صباحاً ومساءً، وهذا هو الإمام الشافعي يصفهم بقوله:
يا أهل بيت رسول الله حبكم *** فرض من الله في القرآن أنزله
كفاكم من عظيم الشأن أنكم *** من لم يصلّ عليكم لا صلاة له( [4])
2-من يفضّل علياً على عثمان أو على الخلفاء عامة مع اعتقاده بأنّه رابع الخلفاء، وانّما يقدّم لاستفاضة مناقبه وفضائله عن الرسول الأعظم، والّتي دوّنها أصحاب الحديث في صحاحهم ومسانيدهم.
3-الشيعة من يشايع علياً وأولاده باعتبار انّهم خلفاء الرسول وأئمة الناس بعده، نصبهم لهذا المقام بأمر من الله سبحانه وذكر أسماءهم وخصوصياتهم، والشيعة بهذا المعنى هو المبحوث عنه في المقام، وقد اشتهر بأنّ عليّاً هو الوصي حتّى صار من ألقابه، وذكره الشعراء بهذا العنوان في قصائدهم، وهو يقول في بعض خطبه :
«لا يقاس بآل محمد من هذه الأُمّة أحد ولا يسوّى بهم من جرت نعمتهم عليه أبداً، هم أساس الدين، وعماد اليقين، إليهم يفيء الغالي، وبهم يلحق التالي، ولهم خصائص حق الولاية، وفيهم الوصية والوراثة». ( [5])
ومجمل القول: إنّ هذا اللفظ يشمل كل من قال إنّ قيادة الأُمّة لعلي بعد الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) ، وإنّه يقوم مقامه في كل ما يمت إليه سوى النبوة ونزول الوحي عليه، كل ذلك بتنصيص من الرسول.
وعلى ذلك فالمقوم للتشيّع وركنه الركين هو القول بالوصاية والقيادة بجميع شؤونها للإمام (عليه السلام) ، فالتشيّع هو الاعتقاد بذلك، وأمّا ما سوى ذلك فليس مقوماً لمفهوم التشيع ولا يدور عليه إطلاق الشيعة.
الفصل الأوّل:
مبدأ التشيع وتاريخ تكوّنه
زعم غير واحد من الكتّاب القدامى والجدد، انّ التشيّع كسائر المذاهب الإسلامية، من إفرازات الصراعات السياسية، وذهب بعض آخر إلى القول إنّه نتيجة الجدال الكلاميوالصراع الفكري، فأخذوا يبحثون عن تاريخ نشوئه وظهوره في الساحة الإسلامية، وكأنّهم يتلقّون التشيّع كظاهرة طارئة على المجتمع الإسلامي، ويظنون أنّ القطاع الشيعي من جسم الأُمّة الإسلامية باعتباره قطاعاً تكوّن على مرّ الزمن لأحداث وتطورات سياسية أو اجتماعية فكرية أدت إلى تكوين ذلك المذهب كجزء من ذلك الجسم الكبير ثم اتسع ذلك الجزء بالتدريج.
وبعد أن افترض هؤلاء أنّه أمر طارئ، أخذوا بالفحص والتفتيش عن علّته أو علله، فذهبوا في تعيين المبدأ إلى كونه ردة فعل سياسية أو فكرية، ولكنّهم لو كانوا عارفين أنّ التشيّع ولد منذ عهد النبي الأكرم (صلى الله عليه وآله وسلم) لما تسرعوا في إبداء الرأي في ذلك المجال، ولعلموا أنّ التشيّع والإسلام وجهان لعملة واحدة، وليس للتشيّع تاريخ ولا مبدأ سوى تاريخ الإسلام ومبدئه، وانّ النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) هو الغارس لبذرة التشيّع في صميم الإسلام من أوّل يوم أمر بالصدع وإظهار الحقيقة إلى أن لبى دعوة ربه . فالتشيّع ليس إلاّ عبارة عن استمرار قيادة النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) بعد وفاته عن طريق من نصبه إماماً للناس وقائداً للأُمّة حتّى يرشدها إلى النهج الصحيح والهدف المنشود، وكان هذا المبدأ أمراً ركز عليه النبي في غير واحد من المواقف الحاسمة، فإذا كانّ التشيع متبلوراً في استمرار القيادة بالوصي، فلا نجد له تاريخاً سوى تاريخ الإسلام، والنصوص الواردة عن رسوله (صلى الله عليه وآله وسلم) .
والشيعة هم المسلمون من المهاجرين والأنصار ومن تبعهم بإحسان
في الأجيال اللاحقة، هم الذين بقوا على ما كانوا عليه في عصر الرسول في
أمر القيادة ولم يغيروه ولم يتعدوا عنه إلى غيره، ولم يأخذوا بالمصالح المزعومة في مقابل النصوص، وصاروا بذلك المصداق الأبرز لقوله سبحانه: ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَىِ اللهِ وَ رَسُولِهِ وَ اتَّقُوا اللهَ إِنَّ اللهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ ) ( [6]) .
ففزعوا في الأُصول والفروع إلى علي وعترته الطاهرة، وانحازوا عن الطائفة الأُخرى الذين لم يتعبدوا بنصوص الخلافة والولاية وزعامة العترة حيث تركوا النصوص وأخذوا بالمصالح.
إنّ الآثار المروية في حق شيعة الإمام عن لسان النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ترفع اللثام عن وجه الحقيقة وتعرب عن التفاف قسم من المهاجرين حول الوصي، فكانوا معروفين بشيعة علي في عصر الرسالة، وان النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) وصفهم في كلماته بأنّهم هم الفائزون، وإن كنت في شك من هذا الأمر فسأتلو عليك بعض ما ورد من النصوص في المقام : 1-أخرج ابن مردويه عن عائشة، قالت: قلت: يا رسول الله من أكرم الخلق على الله؟ قال: يا عائشة، أما تقرأين ( إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَ عَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُولَئِكَ هُمْ خَيْرُ الْبَرِيَّةِ ) ( [7]) . ( [8])
2-أخرج ابن عساكر، عن جابر بن عبد الله، قال: كنّا عند النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) فأقبل علي، فقال النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) : «والّذي نفسي بيده انّ هذا وشيعته لهم الفائزون يوم القيامة»، ونزلت: ( إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَ عَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُولَئِكَ هُمْ خَيْرُ الْبَرِيَّةِ ) فكان أصحاب النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) إذا أقبل علي قالوا: جاء خير البرية. ( [9])
3-أخرج ابن عدي عن ابن عباس قال: لما نزلت ( إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَ عَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُولَئِكَ هُمْ خَيْرُ الْبَرِيَّةِ ) قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) لعلي: «هو أنت وشيعتك يوم القيامة راضين مرضيين». ( [10])
4-أخرج ابن مردويه عن علي قال: قال لي رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) : «ألم تسمع قول الله: ( إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَ عَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُولَئِكَ هُمْ خَيْرُ الْبَرِيَّةِ ) أنت وشيعتك وموعدي وموعدكم الحوض إذا جاءت الأُمم للحساب تدعون غرّاً محجلين » .( [11])
5-روى ابن حجر في صواعقه عن أُم سلمة: كانت ليلتي، وكان النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) عندي فأتته فاطمة فتبعها علي (رضي الله عنه) فقال النبي: «يا علي أنت وأصحابك في الجنة، أنت وشيعتك في الجنة». ( [12]) 6-روى أحمد في المناقب: انّه (صلى الله عليه وآله وسلم) قال لعلي: «أما ترضى انّك معي في الجنة، والحسن والحسين وذريتنا خلف ظهورنا، وأزواجنا خلف ذريتنا، وشيعتنا عن أيماننا وشمائلنا». ( [13])
7-أخرج الديلمي: «يا علي انّ الله قد غفر لك ولذريتك ولولدك ولأهلك ولشيعتك، فابشر انّك الأنزع البطين». ( [14])
8-روى المغازلي بسنده عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) : «يدخلون من أُمّتي الجنة سبعون ألفاً لا حساب عليهم» ثم التفت إلى علي فقال: «هم شيعتك وأنت أمامهم» .( [15])
إلى غير ذلك من الروايات الّتي تعرب عن أنّ علياً (عليه السلام) كان متميزاً بين أصحاب النبي بأنّ له شيعة وأتباعاً ولهم مواصفات وسمات كانوا مشهورين بها، في حياة النبي وبعدها.
الشيعة في كلمات المؤرّخين وأصحاب الفرق :
قد غلب استعمال الشيعة بعد عصر الرسول تبعاً له فيمن يوالي عليّاً وأهل بيته ويعتقد بإمامته ووصايته ويظهر ذلك من خلال كلمات المؤرخين وأصحاب المقالات نشير إلى بعضها:
1-روى المسعودي في حوادث وفاة النبي: ان الإمام عليّاً أقام ومن معه من شيعته في منزله بعد أن تمت البيعة لأبي بكر. ( [16])
2-وقال النوبختي (المتوفّى 313 هـ): إنّ أوّل الفرق الشيعة، وهم فرقة علي بن أبي طالب، المسمّون شيعة علي في زمان النبي وبعده، معروفون بانقطاعهم إليه والقول بإمامته. ( [17])
3-وقال أبو الحسن الأشعري: وإنّما قيل لهم الشيعة، لأنّهم شايعوا علياً ويقدّمونه على سائر أصحاب رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) .( [18])
4-ويقول الشهرستاني: الشيعة هم الذين شايعوا علياً في الخصوص، وقالوا بإمامته وخلافته نصاً ووصيةً. ( [19])
5-وقال ابن حزم: ومن وافق الشيعة في أنّ عليّاً أفضل الناس بعد رسول الله وأحقّهم بالإمامة، وولده من بعده. ( [20])
هذا غيض من فيض وقليل من كثير ممّا جاء في كلمات المؤرخين وأصحاب المقالات تعرب عن أنّ لفيفاً من الأُمّة في حياة الرسول وبعده إلى عصر الخلفاء وبعدهم، كانوا مشهورين بالتشيّع لعلي، وانّ لفظة الشيعة ممّا نطق بها الرسول وتبعته الأُمّة عليه .
رواد التشيع في عصر النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)
وإليك أسماء لفيف من الصحابة الشيعة المعروفين بالتشيّع :
1-عبد الله بن عباس 2-الفضل بن العباس 3 ـ عبيد الله بن العباس 4 ـ قثم بن العباس 5-عبد الرحمن بن العباس 6-تمام بن العباس 7-عقيل بن أبي طالب 8-أبو سفيان بن الحرث بن عبد المطلب 9-نوفل بن الحرث 10-عبد الله بن جعفر بن أبي طالب 11-عون بن جعفر 12-محمد بن جعفر 13 ـ ربيعة بن الحرث بن عبد المطلب 14-الطفيل بن الحرث
15-المغيرة بن نوفل بن الحارث 16-عبد الله بن الحرث بن نوفل 17-عبد الله بن أبي سفيان بن الحرث 18-العباس بن ربيعة بن الحرث 19-العباس بن
عتبة بن أبي لهب 20-عبد المطلب بن ربيعة بن الحرث 21 ـ جعفر بن أبي سفيان بن الحرث.
هؤلاء من مشاهير بني هاشم، وأمّا غيرهم فإليك أسماء لفيف منهم :
22-سلمان المحمدي 23-المقداد بن الأسود الكندي 24-أبو ذر الغفاري 25-عمار بن ياسر 26-حذيفة بن اليمان 27-خزيمة بن ثابت 28-أبو أيوب الأنصاري 29-أبو الهيثم مالك بن التيهان 30-أُبي بن كعب 31 ـ سعد بن عبادة 32-قيس بن سعد بن عبادة 33-عدي بن حاتم 34-عبادة بن الصامت 35 ـ بلال بن رباح الحبشي 36-أبو رافع مولى رسول الله 37-هاشم بن عتبة 38 ـ عثمان بن حنيف 39-سهل بن حنيف 40-حكيم بن جبلة العبدي 41-خالد بن سعيد بن العاص 42-أبو الحصيب الأسلمي 43-هند بن أبي هالة التميمي 44-جعدة بن هبيرة 45-حجر بن عدي الكندي 46-عمرو بن الحمق الخزاعي 47-جابر بن عبد الله الأنصاري 48-محمد بن أبي بكر 49-أبان بن سعيد بن العاص 50-زيد بن صوحان الزيدي .
هؤلاء خمسون صحابياً من الطبقة العليا للشيعة، فمن أراد التفصيل والوقوف على حياتهم وتشيّعهم فليرجع إلى الكتب المؤلفة في الرجال .
الفصل الثاني:
شبهات حول تاريخ الشيعة
قد تعرفت على تاريخ التشيع، وانّه ليس وليد الجدال الكلامي، ولا انتاج السياسات الزمنية وانّما هو وجه آخر للإسلام، وهما وجهان لعملة واحدة، إلاّ أنّ هناك جماعة من المؤرّخين وكتّاب المقالات ظنّوا انّ التشيع أمر حادث وطارئ على المجتمع الإسلامي، فأخذوا يفتشون عن مبدئه ومصدره، وراحوا يثيرون الشبهات حول تاريخه، وإليك استعراض هذه الشبهات نقداً وتحليلاً .
الشبهة الأُولى :
الشيعة ويوم السقيفة
إنّ مأساة السقيفة جديرة بالقراءة والتحليل، وقد تخيّل لبعض المؤرخين انّ التشيّع ظهر بعدها .
يقول الطبري: اجتمع الأنصار في سقيفة بني ساعدة ليبايعوا سعد بن عبادة، فبلغ ذلك أبا بكر فأتاهم ومعه عمر وأبو عبيدة بن الجراح، فقال: ما هذا؟ فقالوا: منّا أمير ومنكم أمير، فقال أبو بكر: منّا الأمراء ومنكم الوزراء ـ إلى أن قال: ـ فبايعه عمر وبايعه الناس، فقالت الأنصار أو بعض الأنصار: لا نبايع إلاّ عليّاً، ثم قال: أتى عمر بن الخطاب منزل علي وفيه طلحة والزبير ورجال من المهاجرين، فقال: والله لأحرقنّ عليكم أو لتخرجنّ إلى البيعة، فخرج عليه الزبير مسلطاً بالسيف فعثر، فسقط السيف من يده، فوثبوا عليه فأخذوه.
وقال أيضاً: وتخلف علي والزبير واخترط الزبير سيفه، وقال: لا أغمده حتّى يبايع علي، فبلغ ذلك أبا بكر وعمر، فقالا: خذوا سيف الزبير. ( [21])
يلاحظ عليه: أنّ هذه النصوص تدلّ على أنّ فكرة التشيّع لعلي كانت مختمرة في أذهانهم منذ عهد الرسول إلى وفاته، فلمّا رأت الجماعة أنّ الحق خرج عن محوره، عمدوا إلى التمسّك بالحق بالاجتماع في بيت علي الّذي أوصاهم النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) به طيلة حياته، إذ من البعيد جداً أن يجتمع رأيهم على علي في يوم واحد في ذلك اليوم العصيب، فالمعارضة كانت استمراراً لما كانوا يلتزمون به في حياة النبي، ولم تكن فكرة خلقتها الظروف والأحداث .
كان أبو ذر وقت أخذ البيعة غائباً ولمّا جاء قال: أصبتم قناعة، وتركتم قرابة، لو جعلتم الأمر في أهل بيت نبيكم لما اختلف عليكم اثنان. ( [22])
وقال سلمان: أصبتم ذا السن وأخطأتم المعدن، أمّا لو جعلتموه فيهم ما اختلف منكم اثنان ولأكلتموها رغداً .
وروى الزبير بن بكار في الموفقيات: انّ عامّة المهاجرين وجلّ الأنصار كانوا لا يشكّون أنّ عليّاً هو صاحب الأمر . وروى الجوهري في كتاب السقيفة: انّ سلمان والزبير وبعض الأنصار كان هواهم أن يبايعوا عليّاً .
وروى أيضاً: انّه لمّا بويع أبو بكر واستقر أمره، ندم قوم كثير من الأنصار على بيعته ولام بعضهم بعضاً، وهتفوا باسم الإمام علي ولكنه لم يوافقهم. ( [23])
ومن المستحيل عادة اختمار تلك الفكرة بين هؤلاء في يوم واحد، بل يعرب ذلك عن وجود جذور لها، قبل رحلة النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ، ويؤكد ذلك نداءاته الّتي ذكرها في حق عليّ وعترته في مواقف متعددة، فامتناع الصحابة عن بيعة الخليفة ومطالبتهم بتسليم الأمر إلى علي انّما هو لأجل مشايعتهم لعلي زمن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ، وما هذا إلاّ إخلاص ووفاء منهم للنبي (صلى الله عليه وآله وسلم) وأين هو من تكوّن التشيع يوم السقيفة؟!
الشبهة الثانية :
التشيّع صنيع عبد الله بن سبأ
كتب الطبري في تاريخه يقول :
كان عبد الله بن سبأ يهودياً من أهل صنعاء أُمّه سوداء فأسلم زمان عثمان ثم تنقل في بلدان المسلمين يحاول إضلالهم، فبدأ بالحجاز ثم البصرة ثم الكوفة ثم الشام، فلم يقدر على ما يريد عند أحد من أهل الشام، فأخرجوه حتّى أتى مصر فاعتمر فيهم، فقال لهم فيما يقول: لعجب ممّن يزعم انّ عيسى يرجع ويكذب بأنّ محمداً يرجع، وقد قال الله عزوجل: ( إِنَّ الذِي فَرَضَ عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لَرَادُّكَ إِلَى مَعَاد ) ( [24]) ، فمحمد أحق بالرجوع من عيسى، قال: فقُبل ذلك عنه، ووضع لهم الرجعة فتكلموا فيها، ثم قال لهم بعد ذلك: إنّه كان ألف نبي ولكلّ نبي وصي وكان علي وصي محمد، ثم قال: محمد خاتم الأنبياء وعلي خاتم الأوصياء، وانّ عثمان غاصب حق هذا الوصي وظالمه، فيجب مناهضته لإرجاع الحق إلى أهله .
وقد بث عبد الله بن سبأ دعاته في البلاد الإسلامية، وأشار عليهم أن يظهروا الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والطعن في الأُمراء، فمال إليه وتبعه على ذلك جماعات من المسلمين، فيهم الصحابي الكبير والتابعي الصالح من أمثال: أبي ذر، وعمار بن ياسر، ومحمد بن حذيفة، وعبد الرحمن بن عديس ومحمد بن أبي بكر، وصعصعة بن صوحان العبدي، ومالك الأشتر إلى غيرهم من أبرار المسلمين وأخيارهم، فكانت السبئيّة تثير الناس على ولاتهم، تنفيذاً لخطة زعيمها، وتضع كتباً في عيوب الأمراء وترسل إلى غير مصرهم من الأمصار، فنتج عن ذلك قيام جماعات من المسلمين بتحريض السبئيّين، وقدومهم إلى المدينة وحصرهم عثمان في داره حتّى قتل فيها، كلّ ذلك كان بقيادة السبئيّين ومباشرتهم.
إنّ المسلمين بعدما بايعوا علياً ونكث طلحة والزبير بيعتهما، وخرجا إلى البصرة رأى السبئيّون أنّ رؤساء الجيشين أخذوا يتفاهمون، وأنّه إن تمّ ذلك سيؤخذون بدم عثمان، فاجتمعوا ليلاً وقرروا أن يندسّوا بين الجيشين ويثيروا الحرب بكرة دون علم غيرهم، وانّهم استطاعوا ان ينفّذوا هذا القرار الخطير في غلس الليل قبل أن ينتبه الجيشان المتقاتلان، فناوش المندسون من السبئيّين في جيش علي من كان بازائهم من جيش البصرة، ففزع الجيشان وفزع رؤساؤهما، وظنّ كلّ بخصمه شراً، ثم إنّ حرب البصرة وقعت بهذا الطريق دون أن يكون لرؤساء الجيشين رأي أو علم. ( [25])
إلى هنا انتهت قصة السبئيّة الّتي ذكرها الطبري في تاريخه .
نظرنا في الموضوع :
1-انّ ما جاء في تاريخ الطبري من القصة على وجه لا يصحّ نسبته إلاّ إلى عفاريت الأساطير ومردة الجن، إذ كيف يصحّ لإنسان أن يصدق انّ يهودياً جاء من صنعاء وأسلم في عصر عثمان واستطاع ان يُغري كبار الصحابة والتابعين، ويخدعهم ويطوف بين البلاد، واستطاع ان يكوّن خلايا ضد عثمان ويستقدمهم إلى المدينة ويؤلّبهم على الخلافة الإسلامية، فيهاجموا داره ويقتلوه، بمرأى ومسمع من الصحابة العدول ومن تبعهم بإحسان، هذا شيء لا يحتمله العقل وان وطّن على قبول العجائب والغرائب!!
أنّ هذه القصة تمسّ كرامة المسلمين والصحابة والتابعين، وتصورهم أُمّة ساذجة يغترون بفكر يهودي وفيهم السادة والقادة والعلماء والمفكرون.
2-انّ القراءة الموضوعية للسيرة والتاريخ توقفنا على سيرة عثمان بن عفان ومعاوية بن أبي سفيان، فإنّهما كانا يعاقبان المعارضين لهم، وينفون المخالفين ويضربونهم، فهذا أبو ذر الغفاري نفاه عثمان من المدينة إلى الربذة لاعتراضه عليه في تقسيم الفيء وبيت المال بين أبناء بيته، كما أنّ غلمانه ضربوا عمار بن ياسر حتّى انفتق له فتق في بطنه وكسروا ضلعاً من أضلاعه، إلى غير ذلك من مواقفهم من مخالفيهم ومعارضيهم، ومع ذلك نرى أنّ رجال الخلافة وعمالها يغضّون الطرف عمّن يؤلب الصحابة والتابعين على إخماد حكمهم، وقتل خليفتهم في عقر داره ويجر الويل والويلات على كيانهم!!
3-انّ رواية الطبري نقلت عن أشخاص لا يصحّ الاحتجاج بهم ; مثلاً:
السري الّذي يروي عنه الطبري، انّما هو أحد رجلين :
أ ـ السري بن إسماعيل الهمداني الّذي كذّبه يحيى بن سعيد، وضعّفه غير واحد من الحفاظ. ( [26])
ب ـ السري بن عاصم بن سهل الهمداني نزيل بغداد (المتوفّى عام 258 هـ)، وقد أدرك ابن جرير الطبري شطراً من حياته يربو على ثلاثين سنة، كذّبه ابن خراش، ووهاه ابن عدي، وقال: يسرق الحديث، وزاد ابن حبان: ويرفع الموقوفات لا يحل الاحتجاج به، فالاسم مشترك بين كذّابين لا يهمنا تعيين أحدهما .
4-عبد الله بن سبأ، اسطورة تاريخية، لأنّ القرائن والشواهد والاختلاف الموجود في حق الرجل ومولده، وزمن إسلامه ومحتوى دعوته يشرف المحقّق على القول بأنّ عبد الله بن سبأ شخصية خرافية وضعها القصّاصون وأرباب السمر والمجون في عصر الدولتين: الأُموية والعباسية.
وفي المقام كلام للكاتب المصري الدكتور طه حسين يدعم كون الرجل اسطورة تاريخية حاكها أعداء الشيعة نكاية بالشيعة، حيث قال :
وأكبر الظن انّ عبد الله بن سبأ هذا إنّما قال ودعا إلى ما دعا إليه بعد أن كانت الفتنة، وعظم الخلاف فهو قد استغل الفتنة ولم يثرها.
إنّ خصوم الشيعة أيّام الأُمويين والعباسيين قد بالغوا في أمر عبد الله بن سبأ هذا، ليشكّكوا في بعض ما نسب من الأحداث إلى عثمان، وولاته من ناحية، وليشنعوا على علي وشيعته من ناحية أُخرى، فيردوا بعض أُمور الشيعة إلى يهودي أسلم كيداً للمسلمين، وما أكثر ما شنع خصوم الشيعة على الشيعة؟! وما أكثر ما شنع الشيعة على خصومهم في أمر عثمان وفي غير أمر عثمان ؟
فلنقف من هذا كلّه موقف التحفّظ والتحرج والاحتياط ولنكبر المسلمين في صدر الإسلام عن أن يعبث بدينهم وسياستهم وعقولهم ودولتهم رجل أقبل من صنعاء وكان أبوه يهودياً وكانت أُمّه سوداء، وكان هو يهودياً ثم أسلم لا رغباً ولا رهباً ولكن مكراً وكيداً وخداعاً ثم أُتيح له من النجاح ما كان يبتغي، فحرّض المسلمين على خليفتهم حتّى قتلوه، وفرّقهم بعد ذلك أو قبل ذلك شيعاً وأحزاباً.
هذه كلّها أُمور لا تستقيم للعقل، ولا تثبت للنقد، ولا ينبغي ان تقام عليها أُمور التاريخ. ( [27])
الشبهة الثالثة:
التشيّع فارسي المبدأ أو الصبغة
ثمة شبهة طرحها المستشرقون الذين اعتقدوا بأنّ التشيّع ظاهرة طارئة على المجتمع الإسلامي فأخذوا يفتشون عن علتها وسبب حدوثها حتّى انتهوا إلى القول بأنّ التشيّع فارسي المبدأ أو الصبغة، والترديد بين الأمرين لأجل انّ لهم في المقام رأيين:
1-انّ التشيّع من مخترعات الفرس، اخترعوه لأغراض سياسية، ولم يعتنقه أحد من العرب قبل الفرس .
2-انّ التشيع عربي المبدأ، وانّ لفيفاً من العرب اعتنقوه قبل أن يدخل الفرس في الإسلام ولمّا أسلموا اعتنقوه وصبغوه صبغة فارسية لم يكن له ذلك من قبل .
أمّا الأُولى فقد اخترعها المستشرق دوزي وحاصله: انّ للمذهب الشيعي نزعة فارسية، لأنّ العرب كانت تدين بالحرية، والفرس تدين بالملك والوراثة ولا يعرفون معنى الانتخاب، ولما انتقل النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) إلى دار البقاء ولم يترك ولداً، قالوا علي أولى بالخلافة من بعده.
يلاحظ عليه: أوّلاً: أنّ التشيع حسب ما عرفت ظهر في عصر النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) وهو الّذي سمّى أتباع علي بالشيعة وكانوا متواجدين في عصر النبي وبعده إلى زمن لم يدخل أحد من الفرس سوى سلمان في الإسلام . إنّ روّاد التشيّع في عصر الرسول والوصي كانوا كلّهم عرباً، ولم يكن بينهم أي فارسي سوى سلمان المحمدي، وكلّهم يتبنون فكرة التشيّع .
وثانياً: أنّ التاريخ يدلّنا على أنّ الفرس دخلوا في الإسلام يوم دخلوا بالصبغة السنية، وهذا هو البلاذري يحدّثنا في كتابه ويقول :
كان ابرويز وجّه إلى الديلم فأتى بأربعة الآف، وكانوا خدمه وخاصّته، ثم كانوا على تلك المنزلة بعده وشهدوا القادسية مع رستم، ولمّا قتل وانهزم المجوس اعتزلوا، وقالوا: ما نحن كهؤلاء ولا لنا ملجأ، وأثرنا عندهم غير جميل، والرأي لنا ان ندخل معهم في دينهم، فاعتزلوا. فقال سعد: ما لهؤلاء، فأتاهم المغيرة بن شعبة فسألهم عن أمرهم، فأخبروه بخبرهم، وقالوا: ندخل في دينكم، فرجع إلى سعد فأخبره، فأمنهم. فأسلموا وشهدوا فتح المدائن مع سعد، وشهدوا فتح جلولاء، ثم تحوّلوا فنزلوا الكوفة مع المسلمين. ( [28])
لم يكن إسلامهم يومذاك إلاّ كإسلام سائر الشعوب، فهل يمكن أن يقال انّ إسلامهم يومذاك كان إسلاماً شيعياً .
وثالثاً: أنّ الإسلام كان يمشي بين الفرس بالمعنى الّذي كان يمشي في سائر الشعوب، ولم يكن بلد من بلاد إيران معروفاً بالتشيّع إلى أن انتقل قسم من الأشعريّين الشيعة إلى قم وكاشان فبذروا بذرة التشيّع، وكان ذلك في أواخر القرن الأوّل مع أنّ الفرس دخلوا في الإسلام في عهد الخليفة الثاني ـ أي في سنة 17 هـ ـ وهذا يعني انّه قد انقضت عشرات الأعوام ولم يكن عندهم أثر من التشيّع .
شهادة المستشرقين على أنّ التشيّع عربي المبدأ:
إنّ لفيفاً من المستشرقين وغيرهم صرحوا بأنّ العرب اعتنقت التشيّع قبل الفرس، وإليك نصوصهم:
1-قال الدكتور أحمد أمين: إنّ الفكر الفارسي استولى على التشيّع لقدمه على دخول الفرس في الإسلام وقال: والّذي أرى كما يدلّنا التاريخ انّ التشيّع لعلي بدأ قبل دخول الفرس إلى الإسلام ولكن بمعنى ساذج، ولكن هذا التشيّع أخذ صبغة جديدة بدخول العناصر الأُخرى في الإسلام، وحيث إنّ أكبر عنصر دخل في الإسلام الفرس، فلهم أكبر الأثر في التشيّع. ( [29])
2-قال المستشرق فلهوزن: كان جميع سكان العراق ـ في عهد معاوية ـ خصوصاً أهل الكوفة شيعة، ولم يقتصر هذا على الأفراد، بل شمل خصوصاً القبائل ورؤساء القبائل. ( [30])
3-وقال المستشرق جولد تسيهر: إنّ من الخطأ القول بأنّ التشيّع ومراحل نموّه يمثل الأثر التعديلي الّذي أحدثته أفكار الأُمم الإيرانية في الإسلام بعد أن اعتنقته، أو خضعت لسلطانه عن طريق الفتح والدعاية، وهذا الوهم الشائع مبني على سوء فهم الحوادث التاريخية، فالحركة العلوية نشأت في أرض عربية بحتة.( [31]) 4-يقول المستشرق آدم متز: إنّ مذهب الشيعة ليس كما يعتقد البعض رد فعل من جانب الروح الإيرانية يخالف الإسلام، فقد كانت جزيرة العرب شيعة كلّها عدا المدن الكبرى، مثل مكة وتهامة وصنعاء، وكان للشيعة غلبة في بعض المدن أيضاً مثل عمان وهجر وصعدة، أمّا إيران فكانت كلّها سنّة ما عدا قم، وكان أهل اصفهان يغالون في معاوية حتّى اعتقد بعض أهلها انّه نبي مرسل. ( [32])
5-يقول الشيخ أبو زهرة: إنّ الفرس تشيّعوا على أيدي العرب
وليس التشيّع مخلوقاً لهم، ويضيف: وأمّا فارس وخراسان وما وراءهما من بلدان الإسلام فقد هاجر إليها كثيرون من علماء الإسلام الذين كانوا يتشيّعون فراراً بعقيدتهم من الأُمويين أوّلاً ثم العباسيين ثانياً، وانّ التشيّع كان منتشراً في هذه البلاد انتشاراً عظيماً قبل سقوط الدولة الأُموية بفرار أتباع زيد ومن قبله إليها.( [33])
6-قال السيد الأمين: إنّ الفرس الذين دخلوا الإسلام لم يكونوا شيعة في أوّل الأمر إلاّ القليل، وجلّ علماء السنّة وأجلاّؤهم من الفرس، كالبخاري والترمذي والنسائي وابن ماجة والحاكم النيسابوري والبيهقي، وهكذا غيرهم ممّن أتوا في الطبقة التالية.( [34])
تحليل النظرية الثانية:
إنّ هذه النظرية وإن كانت تعترف بأنّ التشيّع عربي المولد والمنشأ ولكنّها تدّعي انّه اصطبغ بصبغة فارسية بعد دخول الفرس في الإسلام .
يقول فلهاوزن: إنّ آراء الشيعة كانت تلائم الإيرانيّين، أمّا كون هذه الآراء قد انبثقت من الإيرانيين فليست تلك الملائمة دليلاً عليه، بل الروايات التاريخية تقول بعكس ذلك، إذ تقول إنّ التشيع الواضح الصريح كان قائماً أوّلاً في الأوساط العربية، ثم انتقل بعد ذلك منها إلى الموالي، وجمع بين هؤلاء وبين تلك الأوساط .
ولكن لما ارتبطت الشيعة العربية بالعناصر المضطهدة تخلّت عن تربية القومية العربية، وكانت حلقة الارتباط هي الإسلام، ولكنّه لم يكن ذلك الإسلام القديم، بل نوعاً جديداً من الدين. ( [35])
أقول: إنّ مراده انّ التشيع كان في عصر الرسول وبعده بمعنى الحب والولاء لعلي لكنّه انتقل بيد الفرس إلى معنى آخر وهو كون الخلافة أمراً وراثياً في بيت علي (عليه السلام) ، هذا هو الّذي يصرح به الدكتور أحمد أمين ويقول: إنّ الفكر الفارسي استولى على التشيّع، والمقصود من الاستيلاء هو جعل الخلافة أمراً وراثياً كما كان الأمر كذلك بين الفرس في عهد ملوك بني ساسان وغيرهم.
يلاحظ عليه: أنّ كون الحكم والملك أمراً وراثياً لم يكن من خصائص الفرس، بل وراثية الحكم كان سائداً في جميع المجتمعات، فالنظام السائد بين ملوك الحيرة وغسان وحمير في العراق والشام واليمن كان هو الوراثة، والحكم في الحياة القبلية في الجزيرة العربية كان وراثياً، والمناصب المعروفة لدى قريش من السقاية والرفادة وعمارة المسجد الحرام والسدانة كانت أُموراً وراثية حتّى أنّ النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) لم يغيّرها بل أنّه أمضاها، ومن هنا نرى أنّه قد دفع مفاتيح البيت لبني شيبة لما كانت السدانة منصباً لهم أيّام الجاهلية، فتخصيص الفرس بالوراثة وغمض العين عن غيرهم أمر عجيب!! فعلى ذلك يجب القول إنّ التشيّع اصطبغ بصبغة فارسية وغسانية وحميرية وأخيراً عربية، فما معنى تخصيص فكرة الوصاية بالفرس مع كونها آنذاك فكرة عامّة عالمية ؟!
الفصل الثالث:
في بيان متطلّبات الظروف في عصر الرسول
في مجال القيادة الإسلامية
لا شك انّ الدين الإسلامي دين عالمي، وشريعة خاتمة، وقد كانت قيادة الأُمّة من شؤون النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ما دام على قيد الحياة، ثم إنّه وقع الاختلاف بين أصحاب المقالات والفرق في صيغتها بعد الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) ، فهل كانت متبلورة في صيغة النص أو في انتخاب الأُمّة؟
الشيعة ترى أنّ القيادة منصب تنصيصي، والّذي ينصّ على خليفة الرسول هو الله سبحانه عن طريقه (صلى الله عليه وآله وسلم) ، بينما يرى أهل السنّة غير ذلك ولكلّ من الاتّجاهين دلائل وبراهين، والمقصود هنا دراسة متطلّبات الظروف وتقييمها في عصر الرسالة، فهل كانت المصالح تكمن في تعيين القائد أو كانت تكمن في خلافه؟ فدراستها تسلّط الضوء على البحث الثالث وهو وجود النص من الرسول وعدمه، وإليك بيان ذلك:
إنّ الظروف السياسية الّتي كانت سائدة في المنطقة كانت توجب على الرسول أن يعيّن القائد وكانت المصلحة الإسلامية تقتضي ذلك، لأنّ المجتمع الإسلامي كان مهدّداً على الدوام بالخطر الثلاثي: الروم، الفرس، المنافقين; وخطرهم يتمّثل بشن هجوم مفاجئ كاسح، أو إلقاء بذور الفساد والاختلاف بين المسلمين، فمصالح الأُمّة كانت توجب توحيد صفوف المسلمين في مواجهة الخطر الخارجي والداخلي، وذلك بتعيين قائد سياسي من بعده، وبذلك يسدّ الطريق على نفوذ العدو في جسم الأُمّة الإسلامية والسيطرة عليها، وعلى مصيرها، وبذلك يخسر الذين كانوا يتآمرون على ضرب الإسلام بعد وفاة النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) .
أمّا العدو الأوّل فقد كان الامبراطورية الرومانية الّتي كانت تشكّل أحد أضلاع المثلث الخطر الّذي كان يحيط بالكيان الإسلامي ويهدده من الخارج.
وكانت هذه القوة الرهيبة تتمركز في شمال الجزيرة العربية، وكانت تشغل بال النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) على الدوام، حتّى أنّ التفكير في أمر الروم لم يغادر ذهنه وفكره حتّى لحظة الوفاة والالتحاق بالرفيق الأعلى .
وكانت أوّل مواجهة عسكرية بين المسلمين والجيش الرومي في السنة الثامنة من الهجرة في أرض فلسطين، وقد أدتّ هذه المواجهة إلى مقتل القادة العسكريين البارزين الثلاثة وهم: جعفر الطيار، وزيد بن حارثة، وعبد الله بن رواحة.
ولقد أدّى انسحاب الجيش الإسلامي بعد مقتل القادة المذكورين إلى تزايد جرأة الجيش الرومي، فكان يخشى بصورة متزايدة أن تتعرض عاصمة الإسلام للهجوم الكاسح من قبل هذا الجيش.
من هنا خرج رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) في السنة التاسعة للهجرة (غزوة تبوك) على رأس جيش كبير جداً إلى حدود الشام ليقود بنفسه المواجهة العسكرية، وقد استطاع الجيش في هذه الرحلة الصعبة المضنية أن يستعيد للأُمّة الإسلامية هيبتها من جديد.
أمّا الضلع الثاني من المثلث الخطير الّذي كان يهدد الكيان الإسلامي، فكان الامبراطورية الفارسية، وقد بلغ غضب هذه الامبراطورية على رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) ومعاداتها لدعوته أن أقدم امبراطور إيران «خسرو پرويز» على تمزيق رسالة النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) وتوجيه الإهانة إلى سفيره بإخراجه من بلاطه والكتابة إلى واليه في اليمن بأن يوجّه إلى المدينة من يقبض على رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) أو يقتله ان امتنع.
وخسرو هذا وإن قتل في زمن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) إلاّ أنّ استقلال اليمن الّتي رزحت تحت استعمار الامبراطورية الفارسية ردحاً طويلاً من الزمن لم يغب عن نظر ملوك إيران آنذاك، وكان غرور أُولئك الملوك وتجبّرهم وكبرياؤهم لا يسمح بتحمّل منافسة القوة الجديدة (القوة الإسلامية) لهم .
والخطر الثالث وهو الأعظم كان هو خطر حزب النفاق الّذي كان يعمل بين صفوف المسلمين كالطابور الخامس، على تقويض دعائم الكيان الإسلامي من الداخل، إلى درجة انّهم حاولوا اغتيال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) في طريق العودة من تبوك إلى المدينة .
فقد كان بعض عناصر هذا الحزب يقول في نفسه إنّ الحركة الإسلامية سينتهي أمرها بموت رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) ورحيله، وبذلك يستريح الجميع !
فهل مع وجود مثل هؤلاء الأعداء الأقوياء الذين كانوا يتربصون بالإسلام الدوائر، ويتحيّنون الفرص للقضاءعليه، يصحّ أن يترك رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) أُمّته الحديثة العهد بالإسلام، الجديدة التأسيس من دون أن يعيّن لهم قائداً دينياً سياسياً؟!
إنّ المعطيات الاجتماعية توحي بأنّه كان من الواجب أن يدفع رسول الإسلام بتعيين قائد للأُمّة ظهور أي اختلاف وانشقاق فيها من بعده، ويضمن بذلك استمرار وبقاء الأُمّة الإسلامية وإيجاد حصن قوي وسياج دفاعي متين حولها.
إنّ تحصين الأُمّة وصيانتها من الحوادث المشؤومة والحيلولة دون مطالبة كلّ فريق الزعامة لنفسه دون غيره وبالتالي التنازع على مسألة الخلافة والزعامة، لم يكن متحققاً إلاّ بتعيين قائد للأُمّة وعدم ترك الأُمور للأقدار.
إنّ هذه المحاسبة الاجتماعية تهدينا إلى صحّة نظرية «التنصيص على القائد بعد الرسول» ولعلّه لهذه الجهة ولجهات أُخرى طرح الرسول مسألة الخلافة في بدء الدعوة، واستمر بذلك إلى آخر ساعة من عمره الشريف .
***
إنّ الرسول الأكرم لم تُقتصر مسؤولياته على تلقّي الوحي الإلهي
وإبلاغ الآيات النازلة عليه، بل كانت تتجاوز عن ذلك كثيراً، فقد كانت
وظائف ثلاث تقع على عاتقه بالإضافة إلى ما يقوم به من سائر
الوظائف :
1-كان النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) يفسّر الكتاب العزيز، ويشرح مقاصده، ويبيّن أهدافه، ويكشف رموزه وأسراره . 2-وكان يبيّن أحكام الحوادث الجديدة الطارئة على المجتمع الإسلامي عن طريق القرآن الكريم وسنّته .
3-وكان يصون الدين من التحريف والدس، فكان وجوده مدار الحق وتمييزه عن الباطل، وكانت حياته ضماناً لعدم تطرق الدسّ والتحريف إلى دينه.
ولاشك انّ موت النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) وفقدانه سيوجدان فراغات هائلة في المجالات الثلاثة، فيجب إعداد قائد له القابلية والصلاحية في سدّ تلك الفراغات، ولا يقوم به إلاّ من كان يتمتع بما كان يتمتع به الرسول عدا خصيصة النبوة وتلقّي الوحي، فيكون وعاء علم النبي ومخزن أسراره ومودع حكمه حتّى يقوم بتلك الوظيفة العظيمة.
ومن الواضح انّ هذه الكفاءات والمؤهّلات المعنوية لا تحصل لشخص بطريق عادي ولا بالتربية البشرية المتعارفة، بل لابد من إعداد إلهي خاص وتربية إلهية خاصة هذا من جانب، ومن جانب آخر لا يمكن للأُمّة أن تتعرف بنفسها على هذا الشخص وتكتشف من تتوفر فيه تلك المؤهّلات والكفاءات بالطرق العادية.
كلّ ذلك يثبت نظرية التنصيص وانّه لا محيص عن تعيين القائد بتنصيص الرسول بأمر من الله سبحانه، أي تنصيب من يتّصف بتلك الكفاءات الّتي لا يكتسبها إلاّ من تربّى في حضن الرسالة والرسول.
الفصل الرابع :
ما هو مقتضى الكتاب والسنّة
في صيغة الخلافة بعد الرسول؟
إنّ مقتضى الكتاب والسنّة في صيغة القيادة بعد الرسول هو التنصيص لا التفويض إلى الأُمّة ولا ترك الأمر إلى الظروف والصدف، فنقدم الكلام في السنّة فإنّها صريحة في التعيين وأمّا الكتاب فسيأتي البحث عنه .
فنقول: إنّ سيرة النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ونصوصه في مواقف مختلفة تثبت بوضوح أنّه (صلى الله عليه وآله وسلم) غرس النواة الأُولى في أمر القيادة منذ أن أصحر بالدعوة وتعاهدها إلى أن لفظ أنفاسه الأخيرة .
وهذه النصوص من الكثرة والوفرة بحيث إنّه لا يمكن استيعابها ولا ذكر كثير منها، ويكفينا مؤونة ذلك الموسوعات الحديثية في المناقب والفضائل والمؤلفات الكلامية في أمر الولاية. ونحن نكتفي بالقليل من الكثير.
1-التنصيص على الخليفة في حديث بدء الدعوة
بعث الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) لهداية الناس وإخراجهم من الوثنية إلى التوحيد، ومن الشر إلى الخير، ومن الشقاء إلى السعادة، وكانت الظروف المحدقة به قاسية جداً، لأنّه بعث في أُمّة عريقة في الوثنية، ويخاطبهم سبحانه: ( لِتُنْذِرَ قَوْمًا مَا أُنْذِرَ آبَاؤُهُمْ فَهُمْ غَافِلُونَ ) ( [36]) ، فأخذ بالدعوة سراً ونشر دينه خفاء سنوات عديدة إلى أن نزل قوله سبحانه: ( وَ أَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الأَقْرَبِينَ ) ( [37]) ، فعند ذلك أمر الرسول علي بن أبي طالب وهو شاب يافع يتراوح عمره بين 13 إلى 15 سنة، أمره رسول الله أن يعد طعاماً ولبناً ثم دعا 45 رجلاً من سُراة بني هاشم ووجوههم، وبعد أن فرغوا من الطعام قال رسول الله: «إنّ الرائد لا يكذب أهله، والله الّذي لا إله إلاّ هو إنّي رسول الله إليكم خاصّة وإلى الناس عامّة، والله لتموتنّ كما تنامون، ولتبعثنّ كما تستيقظون، ولتحاسبن بما تعملون، وإنّها الجنة أبداً أو النار أبداً ».
ثم قال: «يا بني عبد المطلب إنّي والله ما أعلم شاباً في العرب جاء قومه بأفضل ممّا جئتكم به، إنّي قد جئتكم بخير الدنيا والآخرة، وقد أمرني الله عزوجل أن أدعوكم إليه، فأيّكم يؤمن بي ويؤازرني على هذا الأمر على أن يكون أخي ووصيّي وخليفتي فيكم».
ولمّا بلغ النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) إلى هذا الموضع وقد أمسك القوم وسكتوا عن آخرهم، قام علي (عليه السلام) فجأة وقال: «أنا يا رسول الله أكون وزيرك على ما بعثك الله»، فقال له رسول الله: اجلس، ثم كرر دعوته ثانية وثالثة، ففي كل مرة يحجم القوم عن تلبية دعوته ويقوم علي ويعلن استعداده لمؤازرة النبي ويأمره رسول الله بالجلوس، حتّى إذا كان في المرة الثالثة أخذ رسول الله بيده والتفت إلى الحاضرين من عشيرته الأقربين، وقال: «إنّ هذا أخي ووصيّي وخليفتي فيكم، فاسمعوا له وأطيعوا».( [38])
وينبغي الإشارة إلى نكتة وهي انّ النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) أعلن وزيره وخليفته ووصيه يوم أعلن رسالته، وكأنّهما فرقدان في سماء الوحي لا يفترقان، وما القيادة بعد النبي إلاّ استمرار لوظائف النبوة، وإن كانت النبوة مختومة ولكن الوظائف والمسؤوليات كانتا مستمرتين.
2-حديث المنزلة:
روى أصحاب السير والحديث أنّ رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) خرج إلى غزوة تبوك وخرج الناس معه فقال له علي: «أخرج معك؟» فقال (صلى الله عليه وآله وسلم) : «لا»، فبكى علي، فقال له رسول الله: «أما ترضى أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى إلاّ أنّه لا نبي بعدي، انّه لا ينبغي أن أذهب إلاّ وأنت خليفتي».
أخرجه البخاري في صحيحه ( [39])، والاستثناء يدلّ على ثبوت ما لهارون من المناصب لعلي سوى النبوة .
3-حديث الغدير:
إنّ حديث الغدير من الأحاديث المتواترة رواه الصحابة والتابعون والعلماء في كل عصر وجيل، ولسنا بصدد إثبات تواتره وذكر مصادره، فقد قام غير واحد من المحقّقين بهذه المهمة، وإنّما الهدف إيقاف القارئ
على نصوص الخلافة في حق علي حتّى يقف على أنّ النبي الأعظم هو الباذر الأوّل لبذرة التشيّع والدعوة إلى علي بالإمامة والوصاية وعلى أنّ مسألة التشيّع قد نشأت قبل رحلته، ونذكر في المقام ما ذكره ابن حجر وقد اعترف بصحة سنده، يقول: إنّه (صلى الله عليه وآله وسلم) خطب بغدير خم تحت شجرات، فقال: «أيّها الناس انّه
قد نبّأني اللطيف الخبير انّه لم يعمر نبي إلاّ نصف عمر الّذي يليه من قبله،
وانّي لأظن أن يوشك أن أُدعى فأُجيب، وإنّي مسؤول وإنّكم مسؤولون، فماذا أنتم قائلون؟».
قالوا: نشهد إنّك قد بلغت وجهدت ونصحت، فجزاك الله خيراً.
فقال: «أليس تشهدون أن لا إله إلاّ الله، وانّ محمداً عبده ورسوله، وانّ جنته حق، وانّ ناره حق، وانّ الموت حق، وانّ البعث حق بعد الموت، وانّ الساعة آتية لا ريب فيها، وانّ الله يبعث من في القبور؟».
قالوا: بلى نشهد بذلك.
قال: «اللهم اشهد»، ثم قال: «يا أيّها الناس إنّ الله مولاي وأنا مولى المؤمنين وأنا أولى بهم من أنفسهم، فمن كنت مولاه فهذا ـ يعني علياً ـ مولاه، اللّهم وال من والاه وعاد من عاداه».
ثم قال: «يا أيّها الناس إنّي فرطكم وانّكم واردون علي الحوض، حوض أعرض ممّا بين بصرى إلى صنعاء فيه عدد النجوم قدحان من فضة، وإنّي سائلكم حين تردون عليّ عن الثقلين، فانظروا كيف تخلّفوني فيهما، الثقل الأكبر كتاب الله عزوجل سبب طرفه بيد الله وطرفه بأيديكم، فاستمسكوا به لا تضلّوا ولا تبدلّوا، وعترتي أهل بيتي فإنّه نبأنّي اللطيف الخبير انّهما لن ينقضيا حتّى يردا عليّ الحوض». ( [40])
وأخرجه غير واحد من أئمة الحديث، منهم: الإمام أحمد في مسنده ( [41])، والحاكم في مستدركه ( [42]) ، والنسائي في خصائصه ( [43]) .
ولو أردنا استقصاء مصادر الحديث ومسانيده ورواته من الصحابة والتابعين والعلماء لأحوجنا ذلك إلى تأليف مفرد، وقد قام بحمد الله أعلام العصر ومحقّقوه بذلك المجهود.
والمهم هو دلالة الحديث على الولاية العامة والخلافة الكبرى لعلي بعد الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) ، ويكفي في ذلك التدبّر في الأُمور التالية:
1-انّه (صلى الله عليه وآله وسلم) قال في خطبته: «أنا أولى بهم من أنفسهم» ثم قال: «فمن كنت مولاه»، وهذه قرينة لفظية على أنّ المراد من المولى هو الأولى، فالمعنى: انّ الله أولى بي من نفسي، وأنا أولى بالمؤمنين من أنفسهم، ومن كنت أولى به من نفسه، فعلي أولى به من نفسه، وهذا هو معنى الولاية الكبرى للإمام (عليه السلام) .
2-ذيل الحديث وهو قوله (صلى الله عليه وآله وسلم) : «اللهم وال من والاه وعاد من عاداه»، وفي بعض الطرق: «وانصر من نصره واخذل من خذله» فانّه (صلى الله عليه وآله وسلم) لمّا نصبه إماماً على الأُمّة بعده كان يعلم أنّ تطبيق هذا الأمر رهن توفر الجنود والأعوان وطاعة أصحاب الولايات والعمال، مع علمه بأنّ في الملأ من يحسده وفيهم من يحقد عليه، وفي زمرة المنافقين من يضمر له العداء، فعاد يدعو لمن والاه ونصره، وعلى من عاداه وخذله، ليتم أمر الخلافة وليعلم الناس أنّ موالاته موالاة الله وأنّ عداءه عداؤه.
والحاصل: انّ هذا الدعاء لايناسب إلاّ من نصب زعيماً للإمامة والخلافة.
3-انّه (صلى الله عليه وآله وسلم) صدّر كلامه بأخذ الشهادة من الحضار بأن لا إله إلاّ الله وانّ محمداً رسول الله، ثم قال: «إنّ الله مولاي وأنا مولى المؤمنين وأنا أولى بهم من أنفسهم»، فقال: «فمن كنت مولاه فهذا علي مولاه».
4-انّه (صلى الله عليه وآله وسلم) ذكر قبل بيان الولاية قوله: «كأنّي دعيت فأجبت» أو ما
يقرب من ذلك، وهو يعرب انّه (صلى الله عليه وآله وسلم) لم يبق من عمره إلاّ قليل يحاذر أن يدركه الأجل، فأراد سد الفراغ الحاصل بموته ورحلته بتنصيب علي إماماً وقائداً
من بعده.
هذه القرائن وغيرها الموجودة في كلامه، توجب اليقين بأنّ الهدف من هذا النبأ في ذلك المحتشد العظيم ليس إلاّ إكمال الدين وإتمام النعمة من خلال ما أعلن عنه (صلى الله عليه وآله وسلم) انّ علياً قائد وإمام الأُمّة .
شبهتان واهيتان:
ثمة لفيف من الناس ممّن يعاند الحقيقة ولا يرضى بقبولها أبدى شبهتين ضعيفتين نذكرهما على وجه الإجمال:
الشبهة الأُولى :
إنّ المولى يراد به معان مختلفة، فمنها المحب والناصر، فمن أين علم أنّ المراد بها المتولي والمالك للأمر والأولى بالتصرف ؟
يلاحظ عليه: أنّ لفظ المولى ليس له إلاّ معنى واحد وهو الأولى. قال سبحانه: ( فَالْيَوْمَ لاَ يُؤْخَذُ مِنْكُمْ فِدْيَةٌ وَ لاَ مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مَأْوَاكُمُ النَّارُ هِيَ مَوْلاَكُمْ وَ بِئْسَ الْمَصِيرُ ) ( [44]) .
وقد فسّره غير واحد من المفسّرين بأنّ المراد انّ النار أولى بكم، غير أنّ الّذي يجب التركيز عليه هو انّ الأولى هو المعنى الوحيد للمولى وانّ كلّما ذكر من المعاني المختلفة له انّما هي من موارد استعماله ومتعلّقاته .
الشبهة الثانية:
المراد انّه أولى بالإمامة مآلاً وإلاّ كان هو الإمام مع وجود النبي ولا تعرض فيه لوقت المآل، فكان المراد حين يوجد عقد البيعة له، فلا ينافي حينئذ تقديم الأئمة الثلاثة عليه. ( [45])
وهذه الشبهة من الوهن بمكان، وذلك لأنّه لا يجتمع مع حكمة المتكلّم وبلاغته ولا مع شيء من أفعاله العظيمة وأقواله الجسيمة، وهو يستلزم أن لا تعمّ ولايته جميع الناس والحضّار، فيخرج عن ولايته الخلفاء الثلاثة، مع أنّ الشيخين حينما سمعا قول رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) قالا له: بخ بخ لك يا علي، أمسيت مولاي ومولى كل مؤمن ومؤمنة. ( [46])
مرجعية أهل البيت الفكرية بعد الرسول :
دلّت الأحاديث السابقة على أنّ الزعامة السياسية والخلافة بعد الرسول تتمثل في علي وعترته، وهناك أحاديث متوفرة تسوقنا إلى مرجعيتهم الفكرية، منها:
4-حديث الثقلين :
إنّ النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) أيقظ الغافلين وبيّن مرجع الأُمّة بعد رحلته بهتافه المدوّي، وقال: «يا أيّها الناس إنّي تركت فيكم ما إن أخذتم به لن تضلوا: كتاب الله وعترتي أهل بيتي».( [47])
وأخرجه غير واحد من كبار المحدّثين، منهم: الإمام أحمد في مسنده ( [48])، والحاكم في مستدركه. ( [49])
5-حديث السفينة:
إنّ النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) يشبّه أهل بيته بسفينة نوح، ويقول: «ألا إنّ مثل أهل بيتي فيكم مثل سفينة نوح، من ركبها نجا، ومن تخلّف عنها غرق». ( [50])
ومن المعلوم أنّ المراد ليس جميع أهل بيته على سبيل الاستغراق، لأنّ هذه المنزلة ليست إلاّ لحجج الله ولفيف من أهل بيته.
والمراد من تشبيههم (عليهم السلام) بسفينة نوح: انّ من لجأ إليهم في الدين فأخذ فروعه وأُصوله عن أئمتهم الميامين نجا من عذاب الله، ومن تخلّف عنهم كمن آوى يوم الطوفان إلى جبل ليعصمه من أمر الله، غير أنّ ذاك غرق في الماء، وهذا غرق في الجحيم.
وفي هذه الأحاديث الخمسة غنى وكفاية لطلاّب الحق .
الأئمة الاثنا عشر في حديث الرسول :
إنّ هناك روايات تحدّد وتعيّن عدد الأئمة بعد الرسول وإن لم تذكر أسماءهم، ولكنّها تذكر سماتهم، وهذه هي أحاديث الأئمة الاثني عشر رواها أصحاب الصحاح والمسانيد نذكرها إكمالاً للبحث :
1-أخرج البخاري عن جابر بن سمرة، قال: سمعت رسول الله، يقول: «يكون اثنا عشر أميراً» فقال كلمة لم أسمعها، فقال أبي: إنّه قال: «كلّهم من قريش». ( [51])
2-أخرج مسلم عنه أيضاً، قال: دخلت مع أبي على النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) فسمعته يقول: «إنّ هذا الأمر لا ينقضي حتّى يمضي فيهم اثنا عشر خليفة»، قال: ثم تكلّم بكلام خفي عليّ، قال فقلت لأبي: ما قال؟ قال: «كلّهم من قريش».( [52])
3-أخرج مسلم عنه أيضاً، يقول: سمعت رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) يقول: «لا يزال الإسلام عزيزاً إلى اثني عشر خليفة» ثم قال كلمة لم أفهمها فقلت لأبي: ما قال؟ فقال: «كلّهم من قريش». ( [53])
4-أخرج مسلم عنه أيضاً، قال: انطلقت إلى رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) ومعي أبي فسمعته يقول: «لا يزال هذا الدين عزيزاً منيعاً إلى اثني عشر خليفة»، فقال كلمة صمَّنيها الناس، فقلت لأبي: ما قال؟ قال: «كلّهم من قريش».( [54])
5-أخرج مسلم عنه أيضاً، قال: سمعت رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) يوم جمعة عشية رجم الأسلمي يقول: «لا يزال الدين قائماً حتّى تقوم الساعة أو يكون عليكم اثنا عشر خليفة كلّهم من قريش». ( [55])
إلى غير ذلك من الأحاديث الدالة على أنّ الأئمة بعد النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) اثنا عشر، وقد جاء فيها سماتهم وصفاتهم وعددهم، غير أنّ المهم هو تعيين مصاديقها والإشارة إلى أعيانها وأشخاصها، ولا تعلم إلاّ بوجود السمات الواردة في هذه الأحاديث فيهم، وأمّا السمات الواردة فيها فإليك مختصرها:
1-لا يزال الإسلام عزيزاً إلى اثني عشر خليفة.
2-لا يزال هذا الدين عزيزاً منيعاً.
3-لا يزال الدين قائماً. وقد وردت سمات أُخرى في أحاديث أُخرى لم نذكرها هنا اختصاراً، وهي :
4-لا يزال أمر أُمّتي صالحاً.
5-لا يزال أمر هذه الأُمة ظاهراً .
6-حتّى يمضي فيهم اثنا عشر.
7-ماوليهم اثنا عشر خليفة كلهم من قريش .
8-عددهم كعدد نقباء بني اسرائيل .( [56])
وهذه السمات والخصوصيات لا توجد مجتمعة إلاّ في الأئمة الاثني عشر المعروفين عند الفريقين. وتلك الأحاديث من أنباء الغيب ومعجزات النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ، خصوصاً إذا ضمّت إليها أحاديث الثقلين والسفينة وكون أهل بيت النبي أماناً لأهل الأرض كما أنّ النجوم أمان لأهل السماء.
فالأئمة الاثنا عشر المعروفون بين المسلمين، أوّلهم علي أمير المؤمنين وآخرهم المهدي تنطبق عليهم تلك العلائم.
مقتضى الكتاب في صيغة القيادة بعد الرسول :
قد نزلت آيات في مجال القيادة بعد الرسول أوضحها آية الولاية في سورة المائدة، فنحن نأتي بها مع ما يتقدّمها حتّى تتّضح دلالتها: ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأتِي اللهُ بِقَوْم يُحِبُّهُمْ وَ يُحِبُّونَهُ أَذِلَّة عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّة عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللهِ وَ لاَ يَخَافُونَ لَوْمَةَ لاَئِم ذَلِكَ فَضْلُ اللهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَ اللهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ * إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللهُ وَ رَسُولُهُ وَ الَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَوةَ وَ يُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَ هُمْ رَاكِعُونَ * وَ مَنْ يَتَوَلَّ اللهَ وَرَسُولَهُ وَ الَّذِينَ آمَنُوا فَإِنَّ حِزْبَ اللهِ هُمُ الْغَالِبُونَ ) ( [57]) .
وقبل الاستدلال بالآية نذكر شأن نزولها.
روى المفسّرون عن أنس بن مالك وغيره أنّ سائلاً أتى المسجد وهو يقول: من يقرض المليّ الوفي، وعلي راكع يشير بيده للسائل: اخلع الخاتم من يدي، فما خرج أحد من المسجد حتّى نزل جبرئيل بـ : ( إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللهُ وَ رَسُولُهُ وَ الَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَوةَ وَ يُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَ هُمْ رَاكِعُونَ ) .
وإليك تفصيل الآية:
1-الولي والمولى والأولى بمعنى واحد، قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) : «أيّما امرأة نكحت بغير إذن وليّها فنكاحها باطل». وقال: «يا علي أنت ولي كلّ مؤمن من بعدي» ولو أُطلق على الناصر والمحب فهو كإطلاق المولى عليهما .
وقد عرفت أنّه ليس للمولى إلاّ معنى واحد وهو الأولى، فلو أُطلق على الناصر والمحب فلأجل انّ المحب أولى بالدفاع عن محبوبه والتزامه بنصرته، والصديق أولى بحماية صديقه، فتفسير الولي بالمحب والناصر والصديق من باب خلط المتعلّق بالمفهوم.
2-لو كان المراد من الولي هو الناصر وما أشبهه يلزم الاكتفاء بقوله: ( إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللهُ وَ رَسُولُهُ وَ الَّذِينَ آمَنُوا ) من دون حاجة إلى التقييد بإيتاء الزكاة حال الركوع.
3-لو كان الولي بمعنى الناصر أو المحب يلزم وحدة الولي والمولى عليه في قوله: ( وَ الَّذِينَ آمَنُوا ) وما هذا إلاّ لأنّ كلّ مؤمن ناصر لأخيه المؤمن ومحب له، مع أنّ ظاهر الآية انّ هناك ثلاثة أولياء، هم: الله، رسوله ، المؤمنون بالشروط الثلاثة ; ولا يتحقّق ذلك إلاّ بتقسيم الولي الزعيم والمتصرف في شؤون المولّى عليه، فهؤلاء الثلاثة أولياء وغيرهم مولّى عليهم .
4-فإذا كانت الحال كذلك فلماذا أفرد الولي ولم يجمعه؟ والجواب عنه واضح وهو انّه أفرده لإفادة انّ الولاية لله على طريق الأصالة وللرسول والمؤمنين على سبيل التبع، ولو قيل: إنّما أولياؤكم الله ورسوله والذين آمنوا لم يكن في الكلام أصل وتبع.
5-انّ قوله: ( الَّذِينَ يُقِيمُونَ ) بدل من ( الَّذِينَ آمَنُوا ) كما أنّ الواو في قوله ( وَ هُمْ رَاكِعُونَ ) للحال، وهو حال من قوله ( يُؤْتُونَ الزَّكَاةَ ) معنى ذلك انّهم يؤتونها حال ركوعهم في الصلاة.
6-إذا كان المراد من قوله: ( الَّذِينَ آمَنُوا ) هو الإمام علي بن أبي طالب (عليه السلام) فلماذا جيء بلفظ الجماعة ؟
والجواب: جيء بها ليرغّب الناس في مثل فعله لينالوا مثل ثوابه، ولينبّه على أنّ سجية المؤمنين يجب أن تكون على هذه الغاية من الحرص على البر والإحسان وتفقّد الفقراء حتّى إن لزمهم أمر لا يقبل التأخير وهم في الصلاة لم يؤخّروا إلى الفراغ منها. 7-انّما ذكر من صفات الولي من الذين آمنوا إقامة الصلاة، وإيتاء الزكاة، لأنّهما ركنان عظيمان للإسلام ووظيفتان رئيسيّتان للقائد، وهو أن يقيم الصلاة ويؤتي الزكاة.
وعلى كل حال فتقييد الولي من المؤمنين بالأوصاف الثلاثة، وتقييد إيتاء الزكاة بحال الركوع يجعل الكلّي مخصصاً في فرد واحد وهو أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السلام) .
ونحن نكتفي من البرهنة على خلافة الإمام بهذه الآية، وهناك آيات استدلّ بها الأصحاب على ولاية الإمام ونفي ولاية الغير، أوضحنا مداليلها في مؤلّفاتنا الكلامية .
الفصل الخامس:
ما هو السر
في مخالفة الجمهور نص الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) ؟
لقد ظهرت الحقيقة بأجلى صورها وثبت انّ الرسول لم يرحل عن أُمّته إلاّ بعد أن نصب علياً للخلافة والقيادة، ولكن هناك سؤال يطرح نفسه وهو انّه لو كان الحق كما نطقت به النصوص كتاباً وسنّة، فلماذا أعرض الجمهور عمّا أُمروا أن يتمسّكوا به ؟
والإجابة عن الشبهة سهلة لمن راجع التاريخ وسيرة الصحابة في
عصر الرسول وبعده، فانّ القرآن الكريم رغم أمره باتبّاع الرسول وعدم
التقدّم عليه، ورغم أمره بالتسليم له وانّ الإيمان رهنه، ورغم انّه يندد
ببعض المسلمين الذين كانوا يتمنون طاعة الرسول لهم في بعض
المواقف، وقال: ( وَ اعْلَمُوا أَنَّ فِيكُمْ رَسُولَ اللهِ لَوْ يُطِيعُكُمْ فِي كَثِير مِنَ الأَمْرِ لَعَنِتُّمْ ) ( [58]) . رغم كل ذلك نشاهد رجالاً يقفون إمام النبي في غير واحد
من المواقف ويخالفونه بعنف وقوة، ويقدّمون الاجتهاد والمصالح الشخصية على أوامر الرسول في مواطن كثيرة، وإليك نزراً يسيراً منها، وبالإلمام بها تسهل عليك الإجابة عن السّر في مخالفة عدة من الأصحاب لأمر النبي في مسألة الوصاية والقيادة.
1-اختلافهم مع النبي في الأنفال والأسرى :
انتصر المسلمون في غزوة بدر وجمع غير واحد من المسلمين ما في معسكر العدو، فاختلف المسلمون فيه، فقال من جمعه: هو لنا، وقال الذين يقاتلون العدو ويطلبونه: والله لولا نحن ما أصبتموه، لنحن شغلنا عنكم القوم حتّى أصبتم ما أصبتم، وقال الذين يحرسون رسول الله: ما أنتم بأحق به منّا والله لقد رأينا أن نقتل العدو إن منحنا الله أكتافهم، وقد رأينا أن نأخذ المتاع حين لم يكن دونه من يمنعه، فخفنا على رسول الله كرّة العدو فقمنا دونه، فما أنتم بأحق به منّا فنزل قوله سبحانه: ( يَسْأَلُونَكَ عَنِ الأَنْفَالِ قُلِ الأَنْفَالُ للهِ وَ الرَّسُولِ فَاتَّقُوا اللهَ وَ أَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ وَ أَطِيعُوا اللهَ وَ رَسُولَهُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ ) ( [59]) .
وأمّا اختلافهم في الأسرى فيكفي في ذلك قوله سبحانه: ( مَا كَانَ لِنَبِيّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الأَرْضِ تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيَا وَ اللهُ يُرِيدُ الاْخِرَةَ وَاللهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ * لَوْلاَ كِتَابٌ مِنَ اللهِ سَبَقَ لَمَسَّكُمْ فِي مَا أَخَذْتُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ ) ( [60]) .
وهذه الآية تعرب عن أنّهم اختلفوا إلى حدّ كانوا مستحقّين لنزول العذاب لولا سبق كتاب من الله .
2-مخالفتهم لأمر الرسول في أُحد:
ورد رسول الله أُحد حين بلغه انّ أبا سفيان يريد شن هجوم على المدينة، واستقبل الرسول المدينة وجعل جبل العينين عن يساره ونصب خمسين رجلاً نبّالاً على جبل عينين وأمّر عليهم عبد الله بن جبير، وقال له: انضح الخيل عنّا بالنبل، لا يأتوننا من خلفنا إن كانت لنا أو علينا، فاثبت مكانك لا نؤتين من قبلك.
ولمّا صار الانتصار حليف المسلمين وأخذ العدو بالانسحاب عن ساحة القتال مولّياً نحو مكة، خالف الرماة أمر الرسول وأخلوا مكانهم طمعاً في الغنائم، فكلّما نصحهم أميرهم بالبقاء وعدم ترك العينين خالفوه .
ولمّا رأى العدو المنهزم انّ جبل العينين قد أضحى خالياً من الرماة، وكان جبل العينين يقع على ضفتين يتخلّلهما معبر، فاستغل العدو الفرصة فأدار خالد بن الوليد من معه من وراء المسلمين فورد المعسكر من هذا المعبر على حين غفلة منهم، فوضع السيوف فيهم فقتل منهم لفيفاً إلى أن تحول النصر إلى هزيمة، وكان ذلك نتيجة مخالفة المسلمين لوصية الرسول وتقديماً للاجتهاد على النص والرأيء الخاطئ على الدليل، وكم له نظير في حياة النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) وبعد وفاته!!
3-مخالفتهم في صلح الحديبية:
دخلت السنة السادسة للهجرة واشتاق النبي إلى زيارة بيت الله فأعدّ العدّة للعمرة ومعه جمع من أصحابه وليس معهم من السلاح إلاّ سلاح المسافر، فلمّا وصلوا إلى أرض الحديبية، منعوا من مواصلة السير، فبعد تبادل الرسل بينه وبين رؤساء قريش اصطلحوا على وثيقة ذكرها أصحاب السيرة في كتبهم، فكانت نتيجة تلك الوثيقة رجوع النبي إلى المدينة ومجيئه في العام القابل للزيارة، وقد ذكر فيها شروط للصلح أثارت حفيظة بعض المسلمين، حتّى أنّ عمر بن الخطاب وثب فأتى أبا بكر فقال: أليس برسول الله؟! قال: بلى، قال: أو لسنا بالمسلمين؟! قال: بلى، قال: أو ليسوا بالمشركين؟! قال: بلى، قال: فعلام نعطي الدنيّة في ديننا!!( [61])
فقد زعم الرجل انّ البنود الواردة في صلح النبي تعني إعطاء الدنية في الدين!! حتّى أنّ النبي أخبرهم حين الشخوص من المدينة ان الله سبحانه أراه في المنام أنّ المسلمين دخلوا المسجد الحرام، فلمّا انصرفوا ولم يدخلوا مكة، قالوا: ما حلقنا ولا قصّرنا ولا دخلنا المسجد الحرام، فأنزل الله سبحانه قوله: ( لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِنْ شَاءَ اللهُ آمِنِينَ ) ( [62]) .
ولو أراد المتتبع ان يتعمّق في السير والتفاسير يجد أنّ مخالفة القوم للرسول لم تكن مختصة بموضوع دون موضوع .
4-مخالفتهم في تجهيز جيش أُسامة:
اتّفق المؤرّخون على أنّ النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) أمر بتجهيز جيش أُسامة، فقال: «جهّزوا جيش أُسامة، لعن الله من تخلّف عنه» فقال قوم: يجب علينا امتثال أمره، وأُسامة قد برز من المدينة، وقال قوم: قد اشتدّ مرض النبي فلا تسع قلوبنا مفارقته والحال هذه، فنصبر حتّى ننظر أي شيء يكون من أمره. ( [63])
وكتب الطبري يقول: لقد ضرب بعث أُسامة، فلم يستتب لوجع رسول الله وقد أكثر المنافقون في تأمير أُسامة، فخرج النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) على الناس عاصباً رأسه من الصداع لذلك وقال: وقد بلغني انّ أقواماً يقولون في إمارة أُسامة، ولعمري لئن قالوا في إمارته لقد قالوا في إمارة أبيه من قبله، وإن كان أبوه لخليقاً بالإمارة وانّه لخليق لها فأنفذوا بعد أُسامة.
فخرج أُسامة فضرب بالجرف وأنشأ الناس في العسكر، ونجم طليحة وتمهّل الناس وثقُل رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) فلم يستتم الأمر ينظرون أوّلهم آخرهم حتّى توفّى الله عزّوجل نبيّه .( [64])
5-مخالفتهم النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) في إحضار القلم والدواة:
عن ابن عباس قال: لمّا اشتدّ بالنبي (صلى الله عليه وآله وسلم) وجعه، قال: «ائتوني بدواة أكتب لكم كتاباً لا تضلّوا بعده» قال عمر: إنّ النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) غلبه الوجع وعندنا كتاب الله حسبنا، فاختلفوا وكثر اللغط، قال (صلى الله عليه وآله وسلم) : «قوموا عنّي ولا ينبغي عندي التنازع».
فخرج ابن عباس يقول: إنّ الرزيّة كلّ الرزية ما حال بين رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) وبين كتابه. ( [65]) إنّ الراوي نقل الرواية بالمعنى كي يخفّف من شدة الصدمة الّتي تحصل فيما لو نقل الرواية بألفاظها والشاهد على ما نقول انّ البخاري نفسه روى الرواية بشكل آخر أيضاً، فروى عن ابن عباس انّه كان يقول: يوم الخميس وما يوم الخميس، ثم بكى حتّى بل دمعه الحصى، قلت: يا بن عباس ما يوم الخميس؟ قال: اشتدّ برسول الله وجعه، فقال: ائتوني بكتف اكتب لكم كتاباً لا تضلّوا بعده أبداً فتنازعوا ولا ينبغي عند نبي تنازع، فقالوا: ما له؟ أهجر، استفهموه.
فقال: «ذروني فالذي أنا فيه خير ممّا تدعونني إليه» فأمرهم بثلاث قال: أخرجوا المشركين من جزيرة العرب، وأجيزوا الوفد بنحو ما كنت أجيزهم، والثالثة خير إمّا أن سكت عنها وإمّا ان قالها فنسيتها.( [66])
ولعل الثالثة الّتي نسيها الراوي هو الّذي كان أراد النبي أن يكتبه حفظاً لهم من الضلال ولكن ذكره شفاها عوض كتابته، لكن السياسة اضطرت المحدّثين إلى ادّعاء نسيانه.
ولعلّ النبي أراد أن يكتب في مرضه تفصيل ما أوجبه عليهم في حديث الثقلين، وتشهد بذلك وحدة لفظهما حيث جاء في الثاني: «إنّي تارك فيكم ما إن تمسّكتم به لن تضلوا: كتاب الله وعترتي».
وقد فهم الخليفة ما يريده رسول الإسلام وحدث به بعد مدة من الزمن لابن عباس فقال له يوماً: يا عبد الله ان عليك دماء البدن ان كتمتها، هل بقي في نفس علي شيء من الخلافة ؟ قال ابن عباس: قلت: نعم، قال: أو يزعم انّ رسول الله نص عليه؟ قلت: نعم.
فقال عمر: لقد كان من رسول الله في أمره ذروة من قول لا تثبت حجة ولا تقطع عذراً ولقد كان يربع في أمره وقتاً ما، ولقد أراد في مرضه أن يصرح باسمه، فمنعت من ذلك إشفاقاً وحيطة على الإسلام، فعلم رسول الله أنّي علمت ما في نفسه، فأمسك.( [67])
والعجب انّ أحمد أمين مع ما يكن للشيعة من عداء وقسوة يعترف بما ذكرنا صراحة، ويقول:
أراد رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) في مرضه الّذي مات فيه أن يعيّن من يلي الأمر بعده، ففي الصحيحين البخاري ومسلم أنّ رسول الله لمّا أصفرّ قال: «هلمّوا أكتب لكم كتاباً لا تضلّوا بعده»، وكان في البيت رجال منهم عمر بن الخطاب، فقال عمر: إنّ رسول الله قد غلب عليه الوجع وعندكم القرآن، حسبنا كتاب الله; فاختلف القوم واختصموا، فمنهم من قال: قربوا إليه يكتب لكم كتاباً لن تضلوا بعده، ومنهم من قال: القول ما قاله عمر، فلمّا أكثروا اللغو والاختلاف عنده (صلى الله عليه وآله وسلم) قال: «قوموا» فقاموا وترك الأمر مفتوحاً لمن شاء، جعل المسلمين طوال عصرهم يختلفون على الخلافة. ( [68])
هذه نماذج من مخالفة القوم لصريح النصوص الصادرة عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ، وكلّ ذلك يعرب عن فقدانهم روح التسليم للنبي ولأحكامه، فلم يكونوا ملتزمين بما لا يوافق أهواءهم وأغراضهم من النصوص.
نعم ربّما يوجد بينهم من كان أطوع للنبي من الظل لذي الظل،
ولكنّ المتنفّذين لم يكونوا متعبّدين بالنصوص فضلاً عن تعبّدهم بالإشارات والرموز، وربّما كانوا يقابلون النبي بكلمات عنيفة لا يقابل بها من هو أقل منه شأناً .
الفصل السادس:
نصوص الخلافة والركون إلى الأمر الواقع
وهناك سؤال يطرحه كلّ من يؤمن بتواتر النصوص ووضوح دلالتها لما يشاهد المعارضة بينها وبين الأمر الواقع في السقيفة وما بعدها، وانثيال كثير من المهاجرين والأنصار إلى غير علي، فيقع في الحيرة والتعجب، فيقول: لو كانت النصوص النبوية على هذا المستوى، فلماذا أعرض عنها المسلمون؟! ولماذا لم يطلب الإمام حقّه الشرعي؟! ولماذا رضي بالأمر الواقع ولم ينبس فيه ببنت شفة؟! وهذا هو الّذي نحاول الإجابة عنه في المقام، فنقول:
إنّ المهم هو بيان السر الّذي دفع الإمام إلى ترك المطالبة بحقّه بالقدرة والعنف، وأمّا إعراض المهاجرين والأنصار، أو في الحقيقة ـ إعراض الرؤوس منهم عن النص، وانثيال غيرهم إليهم، فليس هذا أمراً عجباً، فقد أعرضوا عن كثير من النصوص، واجتهدوا تجاهها كما تقدم البحث عن موارده، وإليك تشريح ما هو المهم:
إنّ الإمام لم يسكت طول حياته عن بيان حقّه وإرشاد الناس إليه، بل أظهر عدم رضاه بالأمر الواقع وانّه تعبير آخر عن غصب حقّه، يقف عليه كلّ من قرأ مأساة السقيفة في كتب التاريخ .
فلم يكن للإمام قدرة على المطالبة بحقّه، وعلى فرض وجودها كانت المصلحة تكمن يومذاك في إدلاء الأمر إلى متقمّصيها وعدم المطالبة بها بالقهر والقوة، وإليك ما يدلّ على ذينك الأمرين من خلال دراسة التاريخ :
1-هذا ابن قتيبة يسرد تاريخ السقيفة وما فيه من مآسي، يقول: إنّ علياً (عليه السلام) أُتي به إلى أبي بكر وهو يقول: «أنا عبد الله وأخو رسول الله»، فقيل له:
بايع، فقال (عليه السلام) : «أنا أحق بهذا الأمر منكم وأنتم أولى بالبيعة لي، أخذتم هذا
الأمر من الأنصار واحتججتم عليهم بالقرابة من النبي، وتأخذوه منّا أهل البيت غصباً؟! ألستم زعمتم للأنصار أنّكم أولى بهذا الأمر منهم لمّا كان محمد فيكم فسلّموا إليكم الإمارة، وأنا احتجّ عليكم بمثل ما احتججتم على الأنصار، نحن أولى برسول الله حياً وميتاً، فانصفوا إن كنتم تؤمنون، وإلاّ فبؤوا بالظلم وأنتم تعلمون».
فقال له عمر: إنّك لست متروكاً حتّى تبايع، فقال له علي: «احلب حلباً لك شطره وشدّ له اليوم، يردده عليك غداً ـ ثم قال: ـ والله يا عمر لا أقبل قولك ولا أُبايعه».
فقال له أبو بكر: فإن لم تبايع فلا أُكرهك، فقال أبو عبيدة بن الجراح لعلي (عليه السلام) : يا ابن عم انّك حديث السن وهؤلاء مشيخة قومك ليس لك مثل تجربتهم ومعرفتهم بالأُمور، ولا أرى أبا بكر إلاّ أقوى على هذا الأمر منك وأشدّ احتمالاً واستطلاعاً، فسلِّم لأبي بكر فانّك إن تعش ويطل لك بقاء، فأنت لهذا الأمر خليق وحقيق في فضلك ودينك وعلمك وفهمك وسابقتك ونسبك وصهرك.
فقال علي (عليه السلام) : «الله الله يا معشر المهاجرين لاتخرجوا سلطان محمد في العرب من داره، وقعر بيته إلى دوركم وقعور بيوتكم، وتدفعون أهله عن مقامه في الناس وحقّه، فوالله يا معشر المهاجرين لنحن أحقّ الناس به لأنّا أهل البيت، ونحن أحقّ بهذا الأمر منكم، ما كان فينا القارئ لكتاب الله، الفقيه في دين الله، العالم بسنن رسول الله، المتطلّع لأمر الرعية، الدافع عنهم الأُمور السيئة، القاسم بينهم بالسوية، والله إنّه لفينا فلا تتبعوا الهوى فتضلّوا عن سبيل الله فتزدادوا من الحق بعداً». ( [69])
فأي بيان أروع من هذا البيان، وأي بلاغ أصرح منه، فقد فند خلافة المتقمّص ببيان فقده مؤهلاتها وهي الأُمور التالية:
1-ما كان فينا القارئ لكتاب الله .
2-الفقيه في دين الله .
3-العالم بسنن رسول الله .
4-المتطلّع لأمر الرعية.
5-الدافع عنهم الأُمور السيئة.
6-القاسم بينهم بالسوية.
ومعنى ذلك انّ المتقمّص ومؤيديه فاقدون لهذه الصلاحيات.
2-لما انتهت إلى أمير المؤمنين أنباء السقيفة قال (عليه السلام) : ما قالت الأنصار؟ قالوا: قالت منّا أمير ومنكم أمير، فقال: «هلاّ احتججتم عليهم بأنّ رسول الله وصى بأن يحسن إلى محسنهم ويتجاوز عن مسيئهم؟» قالوا: وما في هذا من الحجة عليهم؟! فقال (عليه السلام) : «لو كانت الإمامة فيهم، لم تكن الوصية بهم»، ثم قال: «فماذا قالت قريش؟» قالوا: احتجت بأنّها شجرة الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) فقال (عليه السلام) : «احتجّوا بالشجرة وأضاعوا الثمرة». ( [70])
3-الإمام لم يكتف بهذه الجمل في بادئ الأمر، بل استمر على بيان الحق بأساليب مختلفة منها :
احتجاجه بحديث الغدير في يوم الشورى سنة 23 :
قال عامر بن واثلة: كنت على الباب يوم الشورى مع علي (عليه السلام) ، فسمعته يقول: «لأحتجّنّ عليكم بما لا يستطيع عربيّكم ولا أعجميّكم تغيير ذلك»، ثم قال:
«أنشدكم الله، أفيكم من وحّد الله قبلي» قالوا: لا ، إلى أن قال : «فأنشدكم بالله، هل فيكم أحد قال له رسول الله من كنت مولاه فعلي مولاه، اللّهم والي من والاه وعاد من عاداه وانصر من نصره، ليبلغ الشاهد الغائب غيري؟» قالوا: اللّهم لا .( [71])
4-كما ناشد يوم الرحبة سنة 35، روى الأصبغ قال: نشد علي الناس في الرحبة: «من سمع النبي يوم غدير خم ما قال، إلاّ قام ولا يقوم إلاّ من سمع رسول الله يقول»; فقام بضعة عشر رجلاً، منهم: أبو أيوب الأنصاري، وسهل بن حنيف، وخزيمة بن ثابت، وعبد الله بن ثابت الأنصاري، فقالوا: نشهد أنّا سمعنا رسول الله يقول: «ألا من كنت مولاه فعلي مولاه اللّهم وال من والاه وعاد من عاداه، وأحب من أحبه وابغض من أبغضه، وأعن من أعانه». ( [72])
لم تكن المناشدة، منحصرة بهذين الموردين، بل ناشد الإمام في غير واحد من المواقف الأُخرى، كما ناشدت زوجته الصديقة الطاهرة بحديث الغدير وبعدهما الحسنان السبطان وعبد الله بن جعفر وعمار بن ياسر .
هذه شواهد باهرة على عدم سكوته ولارضاه بالأمر الواقع بل استمر على هذا إلى أُخريات حياته، ويتّضح هذا بالرجوع إلى خطبته المعروفة بالشقشقية الّتي ألقاها في آخر خلافته.
وأمّا عدم القيام بأخذ الحق بالقوة، فلأجل انّ القيام فرع القدرة، ولم يكن يومذاك أي منعة وقدرة للإمام، ويكفي في ذلك كلامه في خطبته الأخيرة: «فسدلت دونها ثوباً، وطويت عنها كشحاً، وطفقت ارتئي بين أن أصول بيد جذّاء أو أصبر على طخية عمياء، يهرم فيها الكبير، ويشيب فيها الصغير، ويكدح فيها مؤمن حتّى يلقى ربه». ( [73])
ولو افترضنا وجود القدرة لكن مصالح الإسلام كانت تكمن في المسالمة وإدلاء الأمر إليهم، يشير إليه الإمام تارة بالكناية وأُخرى بالتصريح حيث يقول: «ايّها الناس شقّوا أمواج الفتن بسفن النجاة، وعرجوا عن طريق المنافرة، وضعوا تيجان المفاخرة، أفلح من نهض بجناح أو استسلم فأراح، هذا ماء آجن، ولقمة يغصّ بها آكلها، ومجتني الثمرة لغير وقت إيناعها كالزارع بغير أرضه ».
«فإن أقل يقولوا : حرص على الملك، وإن أسكت يقولوا: جزع من الموت، هيهات بعد اللّتيا والّتي، والله لابن أبي طالب آنس بالموت من الطفل بثدي أُمّه، بل اندمجت على مكنون علم لو بحت به لاضطربتم اضطراب الأرشية في الطويِّ البعيدة». ( [74])
وقد أوضح ما ذكره مجملاً في هذه الخطبة الّتي ألقاها بعد وفاة الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) بخطبته الّتي ألقاها بعد رجوع الناس إليه وصرّح بأنّ مسالمته الخلفاء لأجل أخطار كانت تحدق بالمسلمين بعد موت النبي فقال (عليه السلام) : «إنّ الله سبحانه بعث محمداً (صلى الله عليه وآله وسلم) نذيراً للعالمين ومهيمناً على المرسلين، فلمّا مضى (عليه السلام) تنازع المسلمون الأمر من بعده، فوالله ما كان يلقى في روعي ولا يخطر ببالي انّ العرب تزعج هذا الأمر من بعده عن أهل بيته، ولا أنّهم منحّوه عنّي من بعده، فما راعني إلاّ انثيال الناس على فلان يبايعونه، فأمسكت يدي حتّى رأيت راجعة الناس قد رجعت عن الإسلام يدعون إلى محق دين محمد (صلى الله عليه وآله وسلم) ، فخشيت إن لم أنصر الإسلام وأهله أن أرى فيه ثلماً أو هدماً تكون المصيبة به عليَّ أعظم من فوت ولايتكم الّتي انّما هي متاع أيّام قلائل، يزول منها ما كان كما يزول السراب أو كما يتقشّع السحاب، فنهضت في تلك الأحداث حتّى زاح الباطل وزهق، واطمأنّ الدين وتنهنه». ( [75])
الفصل السابع :
في عقائد الشيعة الإمامية
إنّ عقائد الشيعة الإمامية، ليست حصيلة الاحتكاك بالثقافات الأجنبية ولا ما أنتجته البحوث الكلامية طوال القرون، وانّما هي عقائد مأخوذة من الذكر الحكيم أوّلاً والسنّة النبوية ثانياً، وخطب الإمام علي وكلمات العترة الطاهرة المأخوذة من النبي ثالثاً، فلأجل ذلك يحدد تاريخ عقائدهم بتاريخ الإسلام وحياة أئمتهم الطاهرين.
وهذا لا يعني انّ الشيعة تتعبّد بالنصوص في أُصولها من دون تحليل وتفكير، بل يعني أنّ أُصول العقائد الواردة في المصادر المذكورة، أخذها علماؤهم منها وحرّروها بأوضح الوجوه ودعموها بالبرهنة، نعم لا يعتمدون في مجال العقيدة على آحاد الروايات، بل يشترط فيها أن تكون متواترة، أو محفوفة بالقرائن المفيدة للعلم واليقين، إذ ليس المطلوب في باب الاعتقاد مجرد العمل بل المطلوب هو الإذعان والإيمان ولا يحصل بآحاد الروايات.
وإليك عقائدهم في هذا الباب الّتي لخّصها الشيخ الطوسي ضمن خمسين مسألة في كتابه «العقائد الجعفرية» :
1-معرفة الله واجبة على كلّ مكلّف بدليل انّه منعم فيجب معرفته . 2-الله تعالى موجود بدليل انّه صنع العالم وأعطاه الوجود، وكلّ من كان كذلك فهو موجود.
3-الله تعالى واجب الوجود لذاته بمعنى انّه لا يفتقر في وجوده إلى غيره ولا يجوز عليه العدم، بدليل انّه لو كان ممكناً لا فتقر إلى صانع كافتقار هذا العالم، وذلك محال على المنعم المعبود.
4-الله تعالى قديم أزلي، بمعنى انّ وجوده لم يسبقه العدم; باق أبدي، بمعنى انّ وجوده لن يلحقه العدم.
5-الله تعالى قادر مختار، بمعنى انّه إن شاء أن يفعل فعل، وإن شاء أن يترك ترك، بدليل انّه صنع العالم في وقت دون آخر.
6-الله تعالى قادر على كلّ مقدور وعالم بكل معلوم، بدليل انّ نسبة جميع المقدورات والمعلومات إلى ذاته المقدّسة المنزّهة على السوية، فاختصاص قدرته تعالى وعلمه ببعض دون بعض ترجيح بلا مرجّح، وهو محال .
7-الله تعالى عالم، بمعنى انّ الأشياء منكشفة واضحة له، حاضرة عنده غير غائبة عنه، بدليل انّه تعالى فعل الأفعال المحكمة المتقنة، وكلّ من فعل ذلك فهو عالم بالضرورة .
8-الله تعالى يدرك لا بجارحة، بل بمعنى انّه يعلم ما يدرك بالحواس، لأنّه منزّه عن الجسم ولوازمه بدليل قوله تعالى: ( لاَ تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ وَ هُوَ يُدْرِكُ الأَبْصَارَ وَ هُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ ) ( [76]) . 9-الله تعالى حي، بمعنى انّه يصحّ منه أن يقدر ويعلم، بدليل انّه ثبتت له القدرة والعلم، وكلّ من ثبتت له ذلك فهو حي بالضرورة.
10-الله تعالى متكلّم لا بجارحة، بل بمعنى أنّه أوجد الكلام في جرم من الأجرام أو جسم من الأجسام لإيصال عظمته إلى الخلق، بدليل قوله تعالى: ( وَكَلَّمَ اللهُ مُوسَى تَكْلِيماً ) ( [77]) ، ولأنّه قادر، فالكلام ممكن .
11-الله تعالى صادق، بمعنى انّه لا يقول إلاّ الحق الواقع، بدليل انّ كلّ كذب قبيح والله تعالى منزّه عن القبيح .
12-الله تعالى مريد، بمعنى انّه رجّح الفعل إذا علم المصلحة، بدليل انّه ترك إيجاد بعض الموجودات في وقت دون وقت مع علمه وقدرته ـ على كلّ حال ـ بالسوية، ولأنّه نهى وهو يدلّ على الكراهة.
13-انّه تعالى واحد، بمعنى انّه لا شريك له في الالوهية، بدليل قوله: ( قُلْ هُوَ اللهُ أَحَدٌ ) ( [78]) ، ولأنّه لو كان له شريك لوقع التمانع، ففسد النظام كما قال: ( لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلاَّ اللهُ لَفَسَدَتَا ) ( [79]) .
14-الله تعالى غير مركّب من شيء، بدليل انّه لو كان مركباً لكان مفتقراً إلى الأجزاء، والمفتقر ممكن.
15-الله تعالى ليس بجسم ولا عرض ولا جوهر، بدليل انّه لو كان أحد هذه الأشياء، لكان ممكناً مفتقراً إلى صانع، وهو محال. 16-الله تعالى ليس بمرئي بحاسة البصر في الدنيا والآخرة، بدليل انّه تعالى مجرّد، ولأنّ كل مرئي لابد ان يكون له الجسم والجهة، والله تعالى منزّه عنهما، ولأنّه تعالى قال ( لَنْ تَرَانِي ) ( [80]) ، وقال ( لاَ تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ ) ( [81]) .
17-الله تعالى ليس محلاًّ للحوادث، وإلاّ لكان حادثاً وحدوثه محال.
18-الله تعالى لا يتّصف بالحلول، بدليل انّه يلزم قيام الواجب بالممكن وذلك محال.
19-الله تعالى لا يتّحد بغيره، لأنّ الاتّحاد صيرورة الشيء واحداً من غير زيادة ونقصان، وذلك محال، والله لا يتّصف بالمحال.
20-الله تعالى منفي عنه المعاني والصفات الزائدة، بمعنى انّه ليس عالماً بالعلم ولا قادراً بالقدرة (بل علم كلّه وقدرة كلّها) بدليل انّه لو كان كذلك لزم كونه محلاً للحوادث لو كانت حادثة، وتعدّد القدماء لو كانت قديمة، وهما محالان، وأيضاً لزم افتقار الواجب إلى صفاته المغايرة له، فيصير ممكناً وهو ممتنع.
21-الله تعالى غني، بمعنى انّه غير محتاج إلى ما عداه، والدليل عليه انّه واجب الوجود لذاته، فلا يكون مفتقراً .
22-الله تعالى ليس في جهة، ولا مكان، بدليل انّ كلّ ما في الجهة والمكان مفتقر إليهما، وأيضاً قد ثبت انّه تعالى ليس بجسم ولا جوهر ولا عرض فلا يكون في المكان والجهة. 23-الله تعالى ليس له ولد ولا صاحبة بدليل انّه قد ثبت عدم افتقاره إلى غيره، ولأنّ كلّ ما سواه تعالى ممكن، فكيف يصير الممكن واجباً بالذات؟ ولقوله تعالى: ( لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيءْ ) ( [82]) ، و ( مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرَاب ) ( [83]) .
24-الله تعالى عدل حكيم، بمعنى انّه لا يفعل قبيحاً ولا يخلّ بالواجب، بدليل انّ فعل القبيح قبيح، والإخلال بالواجب نقص عليه، فالله تعالى منزّه عن كلّ قبيح وإخلال بالواجب.
25-الرضا بالقضاء والقدر واجب، وكلّ ما كان أو يكون فهو بالقضاء والقدر ولا يلزم بهما الجبر والظلم، لأنّ القدر والقضاء هاهنا بمعنى العلم والبيان، والمعنى انّه تعالى يعلم كلّ ما هو ] كائن أو يكون [ .
26-كلّ ما فعله الله تعالى فهو أصلح، وإلاّ لزم العبث، وليس تعالى بعابث، لقوله: ( أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثاً ) ( [84]) .
27-اللطف على الله واجب، لأنّه خلق الخلق، وجعل فيهم الشهوة، فلو لم يفعل اللطف لزم الإغراء، وذلك قبيح، والله لا يفعل القبيح، فاللطف هو نصب الأدلّة وإكمال العقل، وإرسال الرسل في زمانهم وبعد انقطاعهم إبقاء الإمام لئلاّ ينقطع خيط غرضه .
28-نبيّنا «محمّد بن عبداللّه بن عبدالمطلب بن هاشم بن عبد مناف» رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) حقاً صدقاً. بدليل أنّه ادّعى النبوّة، وأظهر المعجزات على يده، فثبت أنّه رسول حقّاً، وأكبر المعجزات «القرآن الحميد» والفرقان المجيد الفارق بين الحق والباطل، باق إلى يوم القيامة، حجّة على كافّة النسمة .
ووجه كونه معجزاً: فرط فصاحته وبلاغته، بحيث ما تمكّن أحد من أهل الفصاحة والبلاغة حيث تحدّوا به، أن يأتوا ولو بسورة صغيرة، أو آية تامّة مثله.
29 ـ كان نبيّنا نبياً على نفسه قبل البعثة، وبعده رسولا إلى كافّة النسمة، لأنّه قال: «كنت نبيّاً وآدم بين الماء والطين» وإلاّ لزم تفضيل المفضول، وهو قبيح.
30-جميع الأنبياء كانوا معصومين، مطهّرين عن العيوب والذنوب كلّها، وعن السهو والنسيان في الأفعال والأقوال، من أوّل الأعمار إلى اللحد، بدليل أنّهم لو فعلوا المعصية أو يطرأ عليهم السهو، لسقط محلّهم من القلوب، فارتفع الوثوق والاعتماد على أقوالهم وأفعالهم، فتبطل فائدة النبوّة، فما ورد في الكتاب (القرآن) فيهم فهو واجب التأويل .
31-يجب أن يكون الأنبياء أعلم وأفضل أهل زمانهم، لأنّ تفضيل المفضول قبيح .
32-نبيّنا خاتم النبيّين والمرسلين، بمعنى أنّه لانبي بعده إلى يوم القيامة، يقول تعالى: ( ما كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَد مِن رِجَالِكُمْ وَلَكِن رَسُولَ اللّهِ وخَاتَمَ النَّبِيِّينَ ) ( [85]) .
33-نبيّنا أشرف الأنبياء والمرسلين، لأنّه ثبتت نبوّته، وأخبر بأفضليته فهو أفضل، لمّا قال لفاطمة (عليها السلام) : «أبوك خير الأنبياء، وبعلك خير الأوصياء، وأنت سيدة نساء العالمين، وولدك الحسن والحسين (عليهما السلام) سيّدا شباب أهل الجنّة، وأبوهما خير منهما».( [86])
34-معراج الرسول بالجسم العنصري علانية، غير منام، حق، والأخبار عليه بالتواتر ناطقة، صريحة، فمنكره خارج عن الإسلام ، وأنّه مر بالأفلاك من أبوابها من دون حاجة إلى الخرق والالتيام، وهذه الشبهة الواهية مدفوعة مسطورة بمحالها .
35-دين نبيّنا ناسخ للأديان السابقة، لأنّ المصالح تتبدّل حسب الزمان والأشخاص كما تتبدّل المعالجات لمريض بحسب تبدّل المزاج والمرض .
36-الإمام بعد نبيّنا علي بن أبي طالب (عليه السلام) بدليل قوله (صلى الله عليه وآله وسلم) : «يا علي أنت أخي ووارث علمي وأنت الخليفة من بعدي، وأنت قاضي ديني، وأنت منّي بمنزلة هارون من موسى إلاّ أنّه لانبي بعدي»( [87]). وقوله: «سلّموا على علي بإمرة المؤمنين، واسمعوا له وأطيعوا له، وتَعَلّموا منه ولا تُعَلّموه»( [88])، وقوله: «من كنت مولاه فهذا علي مولاه اللّهمّ وال من والاه وعاد من عاداه» ( [89]) .
37-الأئمّة بعد علي (عليه السلام) أحد عشر من ذرّيته، الأوّل منهم ولده الحسن، ثمّ الحسين، ثمّ علي بن الحسين، ثمّ محمّد بن علي، ثمّ جعفر بن محمّد الصادق، ثمّ موسى بن جعفر، ثمّ علي بن موسى، ثمّ محمّد بن علي، ثمّ علي بن محمّد، ثمّ الحسن بن علي، ثمّ الخلف الحجّة القائم المهدي الهادي بن الحسن صاحب الزمان، فكلّهم أئمّة الناس واحد بعد واحد، حقّاً، بدليل أنّ كل إمام منهم نصّ على من بعده نصّاً متواتراً بالخلافة، وقوله: «الحسين إمام، ابن إمام، أخو الإمام، أبو الأئمّة التسعة، تاسعهم قائمهم، يملأ الأرض قسطاً وعدلا كما ملئت ظلماً وجوراً» .
38-يجب أن يكون الأئمّة معصومين مطهّرين من الذنوب كلّها، صغيرة وكبيرة، عمداً وسهواً، ومن السهو في الأفعال والأقوال، بدليل أنّهم لو فعلوا المعصية لسقط محلّهم من القلوب، وارتفع الوثوق، وكيف يهدون بالضالّين المضلّين، ولا معصوم غير الأئمّة الاثني عشر إجماعاً، فثبت إمامتهم .
39-يجب أن يكون الأئمّة أفضل وأعلم، ولو لم يكونوا كذلك للزم تفضيل المفضول، أو الترجيح بلا مرجّح، ولا يحصل الانقياد به، وذلك قبيح عقلا ونقلا، وفضل أئمّتنا وعلمهم مشهور، بل أفضليّتهم أظهر من الشمس وأبين من الأمس .
40-يجب أن نعتقد أنّ آباء نبيّنا وأئمّتنا مسلمون أبداً، بل أكثرهم كانوا أوصياء، فالأخبار عند أهل البيت على إسلام أبي طالب مقطوعة، وسيرته أدلّة عليه، ومثله مثل مؤمن آل فرعون .
41-الإمام المهدي المنتظر محمّد بن الحسن قد تولّد في زمان أبيه، وهو غائب حي باق إلى بقاء الدنيا، لأنّ كلّ زمان لابدّ فيه من إمام معصوم، لما انعقد عليه إجماع الأُمّة على أنّه لا يخلو زمان من حجّة ظاهرة مشهورة، أو
خافية مستورة، ولأنّ اللطف في كل زمان واجب، والإمام لطف، فوجوده واجب .
42-لا استبعاد في طول عمره، لأنّ غيره من الأُمم السابقة قد عاش ثلاثة آلاف سنة فصاعداً، كشعيب ونوح ولقمان وخضر وعيسى; وابليس والدجّال، ولأنّ الأمر ممكن، واللّه قادر على جميع الممكنات .
43-غيبة المهدي لا تكون من قبل نفسه، لأنّه معصوم، فلا يخل بواجب، ولا من قبل اللّه تعالى، لأنّه عدل حكيم فلا يفعل القبيح، لأنّ الإخفاء عن
الأنظار وحرمان العباد عن الإفادات قبيحان. فغيبته لكثرة العدو والكافر،
ولقلّة الناصر .
44-لابدّ من ظهور المهدي، بدليل قول النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) : «لو لم يبق من الدنيا إلاّ ساعة واحدة لطوّل اللّه تلك الساعة حتّى يخرج رجل من ذرّيتي، اسمه اسمي، وكنيته كنيتي، يملأ الأرض قسطاً وعدلاً كما ملئت ظلماً وجوراً»( [90]). ويجب على كلّ مخلوق متابعته .
45-في غيبة الإمام فائدة، كما تنير الشمس تحت السحاب، والمشكاة من وراء الحجاب .
46-يرجع نبيّنا وأئمّتنا المعصومون في زمان المهدي مع جماعة من الأُمم السابقة واللاحقة، لإظهار دولتهم وحقّهم، وبه قطعت المتواترات من الروايات والآيات، لقوله تعالى: ( وَ يَوْمَ نَحْشُرُ مِن كُلِّ اُمَّة فَوْجاً ) ( [91]) ، فالاعتقاد به واجب .
47-إنّ اللّه يعيد الأجسام الفانية كما هي في الدنيا، ليوصل كلّ حق إلى المستحقّين، وذلك أمر ممكن، والأنبياء أخبروا به، لا سيّما القرآن المجيد مشحون به ولا مجال للتأويل، فالاعتقاد بالمعاد الجسماني واجب .
48-كلّ ما أخبر به النبي أو الإمام فاعتقاده واجب، كإخبارهم عن نبوّة الأنبياء السابقين، والكتب المنزلة، ووجود الملائكة، وأحوال القبر وعذابه، وثوابه، وسؤال منكر ونكير، والإحياء فيه، وأحوال القيامة وأهوالها، والنشور، والحساب، والميزان، والصراط، وإنطاق الجوارح، ووجود الجنّة والنار، والحوض الّذي يسقي منه أميرالمؤمنين العطاشى يوم القيامة، وشفاعة النبي والأئمّة لأهل الكبائر من محبّيه إلى غير ذلك، بدليل أنّه أخبر بذلك المعصومون.
49-التوبة ـ وهي الندم على القبيح في الماضي، والترك في الحال، والعزم على عدم المعاودة إليه في الاستقبال ـ واجبة، لدلالة السمع على وجوبها، ولأنّ دفع الضرر واجب عقلا .
50-الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، واجبان، بشرط تجويز التأثير والأمن من الضرر.( [92])
***
الفصل الثامن :
الفوارق بين الشيعة وسائر الفرق
ثمة فوارق رئيسية بين الشيعة وسائر الفرق، تتلخص بالأُمور التالية:
الأوّل: وجوب نصب الإمام على الله سبحانه:
اتّفقت الأُمّة الإسلامية على وجوب نصب الإمام إلاّ بعض الفرق من الخوارج، فذهبت الشيعة الإمامية إلى وجوب نصبه على الله سبحانه، وذهبت السنّة إلى وجوب نصبه على الأُمّة، وليس المراد من وجوبه على الله سبحانه، هو إصدار الحكم من العباد على الله سبحانه حتّى يقال: ( إِنِ الْحُكْمُ إِلاَّ للهِ ) ( [93]) ، بل المراد كما ذكرنا غير مرّة انّ العقل حسب التعرف على صفاته سبحانه من كونه حكيماً غير عابث يكشف عن كون مقتضى الحكمة هو لزوم النصب أو عدمه، وإلاّ فالعباد أقصر من أن يحكموا على الله بشيء.
ثم إنّ اختلافهم في كونه فرضاً على الله أو على الأُمّة ينجم عن اختلافهم في حقيقة الخلافة عن رسول الله، فمن ينظر إلى الإمام كرئيس سلطة زمنية فقد قال بوجوب نصبه على الأُمّة . وأمّا من قال بأنّ الإمامة استمرار لوظائف الرسالة «لا لنفس الرسالة فإنّها مختومة برحيل النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) » فمن المعلوم أنّ تقلّد هذا المقام يتوقّف على توفر الصلاحيات العامة لا ينالها الفرد إلاّ إذا حظي بعناية إلهية خاصة، فيخلف النبي في علمه بالأُصول والفروع وفي سد جميع الفراغات الحاصلة بموته .
الثاني: عصمة الإمام:
انفردت الإمامية من بين الفرق الإسلامية بوجوب عصمة الإمام من الذنب والخطأ مع اتّفاق غيرهم على عدمه .
إنّ الاختلاف في لزوم وصف الإمام بالعصمة وعدمه نابع من الاختلاف في تفسير الإمامة بعد الرسول، فمن تلقّاها بأنّها سلطة زمنية فشأنه شأن سائر الحكام، وأمّا من رأى الإمامة بأنّها استمرار لمنصب النبوة والرسالة، وانّ الإمام مكلّف بملء الفراغات الحاصلة بعد رحيل النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ، فلا محيص له عن الالتزام بعصمة الإمام، لأنّ الغاية من الإمامة لا تحصل إلاّ بعناية إلهية.
وثمة نكتة جديرة بالذكر وهي انّه لا ملازمة بين العصمة والنبوة، فكلّ نبيّ معصوم ولا عكس، بشهادة انّ مريم (عليها السلام) معصومة بنص الذكر الحكيم وليست بنبيّة .
الثالث: الإمام المنتظر:
الاعتقاد بالإمام المهدي المنتظر عقيدة تجمع سائر المسلمين، فقد تواترت البشارات عن النبي بظهور المهدي في آخر الزمان لإعلاء كلمة الحق وإظهار الدين كلّه ولو كره المشركون. وانّما اختلفوا في ولادته، فالشيعة بفضل الروايات المتواترة ذهبت إلى أنّه ولد في سر من رأى (عام 255 هـ)، وغاب بأمر الله سبحانه سنة وفاة والده (عام 260 هـ)، وهو يحيا حياة طبيعية كسائر الناس، والناس يرونه ولا يعرفونه، وسوف يظهره الله سبحانه ليحقّق عدله، وأمّا أهل السنّة فقد وافق لفيف منهم الشيعة ولكن الأغلبية على أنّه سيولد في آخر الزمان.
وقد ألّف غير واحد من أعلام السنّة كتباً حول المهدي، وتضافرت الروايات عن طريقهم على ظهور المهدي في آخر الزمان، يقول الدكتور عبد الباقي في كتابه «بين يدي الساعة»:
إنّ المشكلة ليست في حديث أو حديثين أو راو أو راويين، إنّها مجموعة من الأحاديث والأخبار تبلغ الثمانين تقريباً، اجتمع على تناقلها مئات الرواة، وأكثر من صاحب كتاب صحيح .( [94])
الرابع: القول بالبداء :
إنّ القول بالبداء وإن كان من عقائد الشيعة الإمامية ولكنّها في الواقع جزء من العقيدة الإسلامية بشرط ان يفسر بمعناه الصحيح. وحقيقة البداء عبارة عن تغيير المصير بالأعمال الصالحة أو الطالحة .
وبعبارة أُخرى: ليس للإنسان مصير مقدّر واحد يصيبه على وجه القطع والبت، شاء أو لم يشأ، بل يتغير مصيره بالحسنات والسيئات وشكر النعمة وكفرانها، وبالإيمان والتقوى . يقول سبحانه: ( إِنَّ اللهَ لاَ يُغَيِّرُ مَا بِقَوْم حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ ) ( [95]) .
وقال سبحانه: ( فَلَوْلاَ كَانَتْ قَرْيَةٌ آمَنَتْ فَنَفَعَهَا إِيمَانُهَا إِلاَّ قَوْمَ يُونُسَ لَمَّا آمَنُوا كَشَفْنَا عَنْهُمْ عَذَابَ الْخِزْىِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَ مَتَّعْنَاهُمْ إِلَى حِين ) ( [96]) .
وقد تضافرت الروايات على أنّ الصدقة تدفع البلاء، وانّ الاستغفار يجلب الرزق، وانّ الدعاء يرد القضاء، إلى غير ذلك من الروايات، وإلى هذا الأصل ينظر قوله سبحانه: ( يَمْحُوا اللهُ مَا يَشَاءُ وَ يُثْبِتُ وَ عِنْدَهُ أُمُّ الْكِتَابِ ) ( [97]) .
نعم تفسير البداء بمعنى الظهور بعد الخفاء على الله سبحانه تفسير خاطئ لا يمت إلى القول بالبداء عند الشيعة بصلة، وقد ورد في صحيح البخاري قوله (صلى الله عليه وآله وسلم) : إنّ ثلاثة في بني إسرائيل: أبرص وأقرع وأعمى بدالله أن يبتليهم...( [98])
والمراد من البداء في الحديث هو نفس البداء عند الشيعة بمعنى تغيير المصير بالأعمال الصالحة أو الطالحة.
الخامس: الرجعة :
الرجعة عبارة عن عود جماعة قليلة إلى الحياة الدنيوية قبل يوم القيامة ثم موتهم وحشرهم مجدداً يوم القيامة، ولا شك في إمكانه، لأنّه قد أحيا سبحانه أشخاصاً ثم أماتهم في هذه الدنيا، وجاء تفاصيلهم في الذكر الحكيم :
1-إحياء جماعة من بني إسرائيل. ( [99]) 2-إحياء قتيل بني إسرائيل ( [100]).
3-موت أُلوف من الناس وبعثهم من جديد.( [101])
4-بعث عزير بعد مائة عام من موته. ( [102])
5-إحياء الموتى على يد عيسى (عليه السلام) .( [103])
فلو كان الاعتقاد برجوع بعض الناس إلى الدنيا قبل القيامة محالاً، فما معنى هذه الآيات الصريحة في رجوع جماعة إليها؟
ثم إنّ بعض الآيات يدلّ على أنّه سيتحقق الرجوع إلى هذه الدنيا قبل يوم القيامة لبعض الناس على وجه الإجمال، وأمّا من هم؟ وفي أي وقت يرجعون؟ ولأي غرض يعودون إلى الدنيا؟ فليس هنا مقام بيانها، انّما نكتفي ببيان هذه الآية الدالة على وقوعه قبل البعث.
قال سبحانه: ( وَ إِذَا وَقَعَ الْقَوْلُ عَلَيْهِمْ أَخْرَجْنَا لَهُمْ دَابَّةً مِنَ الأَرْضِ تُكَلِّمُهُمْ أَنَّ النَّاسَ كَانُوا بِآيَاتِنَا لاَ يُوقِنُونَ * وَ يَوْمَ نَحْشُرُ مِنْ كُلِّ أُمَّة فَوْجًا مِمَّنْ يُكَذِّبُ بِآيَاتِنَا فَهُمْ يُوزَعُونَ ) .( [104])
فالآية تدلّ على حشر فوج من كلّ جماعة قبل يوم القيامة، وأمّا الحشر في يوم القيامة يتعلّق بالجميع لا بالبعض كما يقول سبحانه: ( وَ حَشَرْنَاهُمْ فَلَمْ نُغَادِرْ مِنْهُمْ أَحَدًا ) .( [105])
الفصل التاسع:
في الأئمة الاثني عشر
إنّ الشيعة الإمامية هي الفرقة المعروفة بالاثني عشرية، فهم يعتقدون باثني عشر إماماً من بني هاشم، وقد نصّ الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) على إمامتهم وقيادتهم واحداً بعد الآخر، كما نصّ كلّ إمام على إمامة من بعده نصّاً يخلو من الإبهام.
وقد عرفت فيما تقدم انّه تضافرت الروايات عن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) انّه يملك هذه الأُمة اثنا عشر خليفة كعدد نقباء بني إسرائيل، وقد ذكرنا انّ هذه الروايات مع ما فيها من مواصفات لا تنطبق إلاّ على أئمة الشيعة والعترة الطاهرة، وإذا كان رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) هو الشجرة وهم أغصانها، والدوحة وهم أفنانها ومنبع العلم وهم عيبته، ومعدن الحكم وهم خزائنه، وشارع الدين وهم حفظته، وصاحب الكتاب وهم حملته، فيلزم علينا معرفتهم، كيف وهم أحد الثقلين اللّذين تركهما الرسول، قدوة للأُمّة، ونوراً على جبين الدهر.
وقد ألّف حول الأئمة الاثني عشر كتب ورسائل كثيرة منذ أقدم العصور إلى يومنا هذا. وسوف نستعرض في هذا المقام أسماءهم ومواليدهم ووفياتهم ونحيل التفصيل إلى كتب السيرة.
وأئمة الشيعة الاثنا عشر هم : 1.أميرُ المؤمنين عليٌّ بنُ أبي طالب (المولود قبل البعثة بعشر سنوات والمستشهَد عام 40 هجري) والمدفون في النجف الأشرف .
2.الإمامُ الحسَنُ بن علي (المجتبى) (3-50 هـ . ق) المدفونُ في البقيع بالمدينة.
3.الإمامُ الحسين بن علي سيدُ الشهداء (4-61 هـ . ق) المدفون في كربلاء.
4.الإمامُ عليُّ بن الحسينُ بن علي زينُ العابدين (38-94 هـ . ق) المدفون في البقيع .
5.الإمامُ محمدُ بن علي باقرُ العلوم (57-114 هـ . ق) المدفون في البقيع.
6.الإمامُ جعفرُ بن محمد الصادقُ (83-148 هـ . ق) المدفونُ في البقيع.
7.الإمامُ موسى بنُ جعفر الكاظمُ (128-183 هـ . ق) المدفونُ في الكاظمية قرب بغداد.
8.الإمامُ عليُّ بن موسى الرضا (148-203 هـ . ق) المدفونُ في خراسان بإيران.
9.الإمامُ محمدُ بن علي الجوادُ (195-220 هـ . ق) المدفونُ في الكاظمية.
10.الإمامُ عليُّ بن محمد الهادي (212-254 هـ) المدفونُ في سامراء بشمال بغداد.
11.الإمامُ الحسنُ بنُ علي العسكريُ (233-260 هـ . ق) المدفونُ في سامراء.
12.الإمامُ محمدُ بنُ الحسن المعروف بالمهديِّ، والحجة ـ عجَّل الله فرجَه الشريف ـ وهو الإمامُ الثاني عشر، وهو حيٌّ حتّى يظهر بأمر الله (طبقاً للوعودِ الواردةِ في القرآنِ في سورة النور : 54، وسورة التوبة : 33، وسورة الفتح: 28 وسورة الصف : 9) ويقيم الحكومة الإِلهيّة على كلّ الكرةِ الأرضِيّةِ. ( [106])


فرق الشيعة
بين
الحقائق والأوهام

إنّ الشيعة هم الذين شايعوا علياً وولديه الحسن والحسين وكانوا متمسّكين بإمامتهم وقيادتهم، ولم يبرز أي اختلاف ديني بينهم إلى زمان الإمام الصادق (عليه السلام) ، وهذا ما يلمسه الإنسان من قراءة تاريخ الشيعة، ولكن نرى أنّ أصحاب المقالات يذكرون للشيعة فرقاً كثيرة، وهم بين غلاة وغيرها، وقد ذكر الشهرستاني تبعاً لعبد القاهر البغدادي خمس فرق: كيسانية وزيدية وإمامية وغلاة وإسماعيلة، ونحن نقف أمام هذا التقسيم وقفة قصيرة، فنقول:
إنّ الغلاة ليسوا من الشيعة ولا من المسلمين، وإنّ عدّهم من الطوائف الإسلامية جناية على المسلمين والشيعة على وجه الخصوص .
وأمّا الكيسانية فقد حقّقنا في محلّه انّها لم تكن فرقة ظهرت بين الشيعة وانّما خلقها أعداء أئمة أهل البيت ليستغلوها ويقضوا بها على تماسك الشيعة ووحدتهم، وأكثر ما يمكن ان يقال في المقام: إنّه كانت هناك شكوك وأوهام اعترت بعض السذج في إمامة محمد بن الحنفية ثم أُزيلت فتجلّى الصبح لذي عينين. فليس في الشيعة على أديم الأرض سوى الفرق الثلاثة: الإمامية، الزيدية، والإسماعيلية.
نعم نسب كتّاب الفرق ومؤرّخو الملل والنحل إلى الشيعة فرقاً كثيرة لا وجود لها إلاّ في عالم الخيال أو بين الكتب، وقد أوضحنا حالها في كتابنا «بحوث في الملل والنحل». ( [107])
إذا عرفت ذلك فلنعرج الكلام إلى البحث عن الزيدية وعقائدها.

_________________________
[1] . القصص: 15 .
[2] . الصافات: 83- 84 .
[3] . الشورى: 23 .
[4] . الصواعق: 148 .
[5] . نهج البلاغة: الخطبة 2 .
[6] . الحجرات: 1 .
[7] . البينة: 7 .
[8] . الدر المنثور : 6 / 589 .
[9] . الدر المنثور : 6 / 589 .
[10] . الدر المنثور : 6 / 589 .
[11] . الدر المنثور : 6 / 589 .
[12] . الصواعق: 161 .
[13] . الصواعق: 161.
[14] . المصدر نفسه .
[15] . مناقب المغازلي: 293 .
[16] . الوصية : 121 .
[17] . فرق الشيعة: 15 .
[18] . مقالات الإسلاميين: 1 / 65 .
[19] . الملل والنحل: 1 / 131 .
[20] . الفصل في الملل والنحل: 2 / 113 .
[21] . تاريخ الطبري: 2 / 443- 444 .
[22] . تاريخ اليعقوبي: 2 / 103 .
[23] . شرح نهج البلاغة : 6 / 43- 44 .
[24] . القصص: 85 .
[25] . انظر تاريخ الطبري: 3 / 378، نقل بتصرف وتلخيص .
[26] . ميزان الاعتدال: 2 / 117 .
[27] . الفتنة الكبرى: 134 .
[28] . فتوح البلدان: 279 .
[29] . فجر الإسلام: 176 .
[30] . الخوارج والشيعة: 113 .
[31] . العقيدة والشريعة: 204 .
[32] . الحضارة الإسلامية: 102 .
[33] . الإمام جعفر الصادق: 545 .
[34] . أعيان الشيعة: 1 / 33 .
[35] . الخوارج والشيعة: 169 .
[36] . يس: 6 .
[37] . الشعراء: 214 .
[38] . مسند أحمد: 1 / 111 ; تاريخ الطبري: 2 / 62- 63 ; الكامل في التاريخ : 2 / 40- 41 .
[39] . صحيح البخاري: 5 / باب فضائل أصحاب النبي، باب مناقب علي .
[40] . الصواعق: 43- 44 .
[41] . مسند الإمام أحمد: 4 / 372 .
[42] . مستدرك الحاكم: 3 / 109 .
[43] . الخصائص العلوية: 21 .
[44] . الحديد: 15 .
[45] . الصواعق المحرقة: 44 .
[46] . مسند أحمد: 4 / 281 .
[47] . كنز العمال: 1 / 44 .
[48] . مسند أحمد: 5 / 182 .
[49] . المستدرك: 3 / 148 .
[50] . المستدرك: 3 / 151 .
[51] . صحيح البخاري: 9 / 101، كتاب الأحكام، الباب 51 .
[52] . صحيح مسلم: 6 / 3- 4 .
[53] . صحيح مسلم: 6 / 3- 4 .
[54] . صحيح مسلم: 6 / 3- 4 .
[55] . صحيح مسلم: 6 / 3- 4 .
[56] . راجع بحوث في الملل والنحل: 6 / 58- 60 .
[57] . المائدة: 54- 56 .
[58] . الحجرات: 7 .
[59] . الأنفال: 1 .
[60] . الأنفال: 67- 68 .
[61] . السيرة النبوية: 2 / 316- 317 .
[62] . الفتح: 27 .
[63] . الملل والنحل: 1 / 29- 30 .
[64] . تاريخ الطبري: 2 / 430- 431 .
[65] . صحيح البخاري: 1 / 30 باب كتابة العلم; الطبقات الكبرى: 2 / 242، وجاء فيه: فقال بعض من كان عنده ان نبي الله ليهجر .
[66] . صحيح البخاري: 4 / 99، باب إخراج اليهود من جزيرة العرب .
[67] . شرح نهج البلاغة: 3 / 17 .
[68] . يوم الإسلام: 41 .
[69] . الإمامة والسياسة: 1 / 11- 12 .
[70] . نهج البلاغة: الخطبة 67 .
[71] . الصواعق المحرقة: 75 ; المناقب للخوارزمي: 135 برقم 152 .
[72] . أسد الغابة: 3 / 307 و 5 / 205 .
[73] . نهج البلاغة: الخطبة 3 .
[74] . نهج البلاغة: الخطبة 5 .
[75] . نهج البلاغة: قسم الكتب 62 .
[76] . الأنعام: 103 .
[77] . النساء: 164 .
[78] . الإخلاص: 1 .
[79] . الأنبياء: 22 .
[80] . الأعراف: 143 .
[81] . الأنعام: 103 .
[82] . الشورى: 11 .
[83] . آل عمران: 59 .
[84] . المؤمنون: 115 .
[85] . الأحزاب : 40 .
[86] . راجع ينابيع المودّة: 434- 436 .
[87] . راجع صحيح مسلم 7 / 120- 121، باب فضائل علي (عليه السلام) ، وصحيح البخاري 5 / 19 باب مناقب علي (عليه السلام) و 6/ 3 باب غزوة تبوك، ومسند أحمد 1 / 174- 177 و 3 / 32، و 6 / 369 .
[88] . راجع البحار 37 / 290- 340 .
[89] . راجع مسند أحمد 1 / 84 و 152 و 4 / 281 و 370 و 372 و 5 / 419، سنن الترمذي 5 / 633 .
[90] . راجع سنن أبي داود 4 / 106- 107، كنز العمال 14 / 264- 267 .
[91] . النمل : 83 .
[92] . طبعت هذه الرسالة مع « جواهر الفقه » للقاضي ابن البراج، وفي ضمن الرسائل العشر للشيخ الطوسي (قدس سره) .
[93] . يوسف: 40 .
[94] . بين يدي الساعة: 123 .
[95] . الرعد: 11 .
[96] . يونس : 98 .
[97] . الرعد: 39 .
[98] . صحيح البخاري: 4 / 172، باب حديث أبرص وأعمى وأقرع من بني إسرائيل .
[99] . البقرة: 55- 56 .
[100] . البقرة: 72- 73 .
[101] . البقرة: 243 .
[102] . البقرة: 259 .
[103] . آل عمران: 49 .
[104] . النمل: 82- 83 .
[105] . الكهف: 47 .
[106] . قد وقع بعض الاختلاف في تواريخ وفيات ومواليد بعض الأئمة وقد اخترنا أحدها، كما أنّ التاريخ يثبت انّ أغلب هؤلاء الأئمة قضوا شهداء .
[107] . بحوث في الملل والنحل: 7 / 7- 55 .


منبع : مجمع جهانی شیعه شناسی
 نظرات کاربران 
نام و نام خانوادگی لطفا نظرتان رو درباره این مطلب وارد نمایید*
پست الکترونیکی
لطفا عبارت بالا را وارد نمایید(سیستم نسبت به کوچک یا بزرگ بودن حساس نمی باشد)

تازه ترین مطالب
نشاني: قم، خیابان شهید فاطمی (دورشهر) بین کوچه 21 و 23 پلاک 317
تلفن: 37732049 ـ 025 -- 37835397-025
پست الکترونيک : info@dinpajoohan.com
نقل مطلب با ذکر منبع آزاد است
کلیه حقوق مادی و معنوی این سایت متعلق به دبیرخانه دین پژوهان کشور می باشد